فهرس الكتاب
417/13 أي إشراقها على ليلهم، فظنوا أنهم موصوفون بها، فماتوا بإدبارهم عنها، وأعرض أهل اليقظة عن الآفلين، فدبوا إلى الحي الدائم، فرأى صدقهم، فأخذهم عنهم فأنجز لهم ما وعدهم، فصارت الحضرة معشش قلوبهم، وإن نزلوا إلى الحظوظ فبالإذن وإحاطة العناية، فكيف تغيب شمسهم، وأشد الأوقات إظلامًا على القلب، وقت قضاء حاجة النفوس، ولاسيما المنكح، وأكثرها إشراقًا وقت الضرورات {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} ، الآية، ولكن أكثر الناس لا يعقلون فيفرون منها، ولهم نزوع إلى نار شهواتهم، كفراش يطلب لهب المصباح، وإن فاته وقع في الزيت، فيا ليته فر منها ويقضي حاجته في ساحل ضوئها، والاستبصار في هذا الباب بالإدبار عنه، وبإقامة الأدب بالذكر وشروطه حتى تضمحل غيوم آفاق القلب، فتظهر شمس الصفات على بقاع النفس فتنشفها، وتصير أفانين الظلام مضمحلة، كأن لم تغن بالأمس (بياض مما انتسخنا منه) ، أن شمس القلوب والله ما غابت قط، ولكن العين هي التي تعمي، كيف تغيب نومًا والموت أشد منه، وقد قال عليه السلام: يموت المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدرو} ، أي ترى دائمًا مظهر الصفات، ومحال أن تفارق، ولكن القلوب لها ميل إلى غير ما ظهر لها، فعميت بلا عمى {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} ، الآية، وقد قالوا:
*كل شيء عقد جوهر *** حلية الحسن المهيب
والنوم شيء {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} ، وقالوا: ظهر المحبوب في الحياة وفي الممات، وفي النصارى وفي اليهود وفي القرود، وفي الذوات والصفات.
*لا ترى في شمسها ظل السوى *** فهي شمس وهي ظل وهي في
هذا فكيف يظهر من احتجب بظهوره، وقهر كل شيء بسطوع نوره، أم كيف يخفى من قام بكل شيء، وكان على كل شيء رقيبًا، وغاية الكشف في هذا الباب قول الصديق رضي الله عنه: العجز عن الإدراك إدراك.
*ما وحد الواحد من وحدا *** توحيده إياه توحيده