فهرس الكتاب
وقد رفعت أنا بدوري قصيدة في رثائه إلى ولده، أودعت فيها ما أثنى به عليه غيري كما رأيت، فكانت مدحًا وافق الحق، كالزبد بالنرسيان (1) ونصها:
أللمحابر أنعيه وللكتب؟ ... أم للفضائل والأخلاق والأدب؟
أم للقضاء إذا الخصمان قد نصبا ... دعوى هدى الحق فيها غير منتصب؟
أم للفتاوى وأعلام الحقيقة قد ... تشابهت طرقها والناس في شجب؟ (2)
أم للفرائض بين الوارثين بها ... مناسخات لها شتى من الشعب؟
أم للحساب -وكان القطب فيه- وهل ... تجدي رحا أصبحت يومًا فلا قطب؟
من يقصد الناس في تلك الجهات ومن ... يشيد للناس قولًا ليس بالكذب؟
ومن يرى في مضاء أن علا شغب ... يفري بماض صقيل كاهل الشغب؟
ومن لمشكلة في الفقه داجية ... لم يكف فيها مجال الطرق في الكتب؟
ومن يحرر إن حار القضاة بلا ... من عليهم فصول الحكم عن كثب؟
ومن له في سجال الحكم منزعه ... فتملأ الدلو كفاه إلى الكرب؟ (3)
ومن لقسمة أموال الضعاف على ... حق بلا رهب منه ولا رغب؟
ومن يندد بالباغي الصئول إذا ... أدلى بما ليس من نبع ولا غرب؟ (4)
يفري فري هصور لا يكفكفه ... عن الطريق أخو جاه ولا نشب
يذرو البراطيل في وجه الأباطل إن
(1) النِّرسيان -بكسر النون والسين وسكون الراء-: تمر جيد، والكلمة قالها عمر بن عبد العزيز: (إذا وافق الحق الهوى فهو الزبد بالنرسيان) .
(2) الشجب -محركًا-: الحزن والتعب.
(3) السجل -بالفتح فالسكون-: الدلو الكبيرة، والجمع سجال، والكرب -بفتحتين-: هو الحبل الصغير الذي يصل ما بين الدلو وبين الحبل الكبير، قال الشاعر:
من يساجلني يساجل ماجدًا… يَملأ الدلو إلى عقد الكرب
(4) النبع والغرب نوعان من الشجر كثير ذكرهما في الأدب العربي، وقولهم ليس بنبع ولا غرب مثل يضرب لمن ليس فيه فائدة، قال أبو تمام في بائيته:
تَخرصًا وأحاديثًا ملفقة لبست بنَبْع إذا عدت ولا غرب