فهرس الكتاب
فقيه حسن، وصوفي كبير، قد طلق الدنيا وزخرفها، ورأى يقينًا أن ما عند الله خير وأبقى، فطلق أولًا كل دواعي الشهرة، بعدما أخذ بمناكبها، ثم طلق ثانيًا أهله وماله وولده، فلحق بالحرمين حيث يتنفس في متنفس المهاجرين والأنصار، وحيث يقر بين مقابرهم جاعلًا هجرته لله ورسوله، لا لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، وذلك كله من مثله وفي مثل مركزه وعصره غريب، وكل حال هذا الرجل عجيب.
معلموه:
لم أقف على كثير من أخباره في منشئه، فلم أدر إلا أنه تلقى القرآن في قريته، ثم التحق بالأستاذ سيدي محمد بن مسعود في (بونعمان) فربض هناك مستفرغًا جهده حتى صدر بحوصلة مملوءة، وعقل حصيف وفهم حسن، وقد كان في كل معلوماته النحوية والفقهية وما إليها وسطًا غير أن أخلاقه وحسن سمته ألقت عليه ملاءة مزدهرة.
تصوفه:
اعتنق الطريقة (الألغية) مقتفيًا أثر شيخه ابن مسعود، فكان يرد إلى (ألغ) معه أو في طائفة فقراء تلك الجهة، فلم يلبث أن شرب الكأس إلى ثمالتها، وقد لاحظه شيخه الألغي ملاحظة خاصة، فقد أخبرني بعض الفقراء أنه سمع الشيخ يقول لرسول يرسله إلى أزاغار: من مر منكم بـ (أيغير ملولن) فواجب عليه أن يمر بسيدي الطيب، فيبلغه خبرنا ويبلغنا خبره، فإنه من الصادقين، وكفى بها شهادة؛ لأن مثل ذلك من الشيخ قليل جدًّا، والمجدون أمثاله لا ينشرون المدح يمنة ويسرة.
وكان مرة يتحدث مع فقير، فقال له: لولا أن الله مَنَّ علينا بلقيا الشيخ وبإدراك مقامه الحقيقي وبعرفان ما يدعو الناس إليه الجفلي لما كان عندنا إلا كأحد فقهاء هذا العصر، ولكن نحمد الله الذي هدانا حتى لقيناه وعرفناه [ 14 / 83 ] ومست يدنا يده، فأزاح عنا الغشاوة وزحزح دون المراد الأستار وهزَّ منا القلوب إلى ما هو حق اليقين، ثم أنشد:
ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا ... هم السلاطين والسادات والأمرا