الصفحة 6067 من 9223

حدثني أحد أصحابه أنه كان رأى المترجم أثر ما صار الفقراء يعتادونه، قد قطع عن الأسواق، وإنما يرسل إليها عبيده، قال صاحبه هذا: فصرت أسأله عن سبب انقطاعه عن الأسواق، فأبى أن يبين لي السبب، ثم لما جاءه الشيخ، قال له: يا سيدي إنني رأيتك في المنام تقول لي اقطع عنك السوق، فمنذ ذلك اليوم لم أتسوق بعد، فقال له الشيخ: إنما المقصود أسواق السفهاء والغافلين عن الله، وأما موضع حاجة الإنسان فلا ضرر فيه، ثم قال له: إن رأى المريد رؤيا من شيخه أيجوز أن يحدث بها غيره؟ فقال له: لا بأس إن كان مثله في إدراك المقاصد، قال صاحبه: فإذ ذاك حدثني بكل ذلك، وهكذا هو لا يقدم على شيء بعدما لاقى الشيخ إلا بإذن من الشيخ.

ثم إنه صار من الأدب إزاء الشيخ في مقام عظيم، فقد فني فيه فناء عظيمًا، حتى إنه غلا يومًا في ذلك، فقال في جلسة فيها سيدي محمد بن مسعود: إن شيخي أنا هو الكل في الكل أمامي، ففيه عرفت ربي ونبيي وكل الخير، فصار سيدي محمد بن مسعود يذاكره، ويحاول بتؤدة ولطف [ 14 / 118 ] أن ينهاه عن مثل هذه العبارات التي فيها غلو وإغراق، وقد أصابه يومًا جذب في مجلس الذكر، فلم يملك نفسه أن سقط في حجر الشيخ، وهو يجهش بالبكاء العالي النشيج، والشيخ يهدئه بيديه فوق ظهره، وكذلك ترامى عليه يومًا آخر وهو يبكي ويعدد ذنوبه، والشيخ يحسن ظنه بربه، ويقرب إليه رحمته، ويأمره بإصلاح ما أمكن إصلاحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت