الصفحة 6190 من 9223

فلما كان وقت الموسم ذهب إليه هو وصديق له يسمى السيد رشيد رافقه مدة طويلة من حياته أثناء الطلب، فأندسا بين الفقراء يراقبان أحوالهم وأحوال شيخهم، ليريا هل ترضيهما بموافقتها للحق أو لا، وكان الشيخ سيدي الحاج علي -رحمه الله- يعرف أصحابه معرفة ضرورية، ولا يخفى عليه الدخيل بينهم، فظل هو من ناحيته يراقب أحوال الضيفين إلى ثالث أيام الموسم وهو يوم نفر أهل الموسم، فاستدعاهما بين يديه وسألهما عن أحوالهما وعن أنفسهما، فأخبراه بالحقيقة، فعرضعليهما طريقته، فاعتذر السيد رشيد عن الدخول فيها لعجزه عن الوفاء بما يتعهد به له، أما المترجم فقد قال الشيخ: إنني لم آتك لأخذ الطرق والاوراد فذلك موجود حينما اتجه ولكني أريد ما يملأ جوانب نفسي إيمانا ويقينا، فقال له الشيخ -رحمه الله-: إنني لا أعطي الأوراد ولكني أعطي السر، فلما سمع المترجم ذلك من الشيخ اعتراه حال لم يكن يعهده من نفسه، فعلم أنها فاتحة الخير، فمد يده إلى الشيخ فأملى عليه أذكار طريقته وأورادها، ودله على مآخذ ذلك من الكتاب والسنة، فاطمأن المترجم لما بسطه له الشيخ اطمئنانا كبيرًا، ولكنه اشترط على الشيخ أنه غير ملزم بتكاليف الطريقة إلا في أيام الأخمسة والجمع وعواشر الأعياد والعطل، وذلك لما هو مطوق به من شئون الطلبة في غير هذه الأيام، فقبل الشيخ شرطه وأقره على حاله.

وهكذا اتصل المترجم بالتصوف عن طريق شيخه الجديد الصوفي المربي الحكيم سيدي الحاج علي، غير أنه لم يكد يخالط هذه الطريقة ويتصل بأهلها وتخالط قلبه بشاشتها حتى أسقط ذلك الشرط من تلقاء نفسه، فانغمر فيها بكيته وأقبل عليها إقبال الذي قال:

محا حبها حب الألى كن قبلها ... وحلت محلا لم يكن حل من قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت