فهرس الكتاب
كانت حياته -رحمه الله- كأحسن ما تكون عليه حياة المسلم الفاضل، لا تجده لاهيًا أو فارغًا من العمل في أي وقت من الأوقات، فهو إما ذاكر أو قارئ أو معلم، أو ناسخ، أو مذاكرة، أو مطالع، ومن عادته أن يستيقظ من النوم قبيل الفجر في الصحة والمرض والبرد والحر، بحيث يتوضأ ويتنفل ويصل إلى المسجد ثم يطلع الفجر، وبعد الأذان يتقدم إلى المحراب في الجامع الكبير، فإذا صلى بالناس، قام إلى إحدى السواري القريبة هناك فيجلس إليها، فيفتتح الطلبة الحزب ويقرءون وهو يستمع إليهم، فإذا سمع من أخل منهم بشيء من قواعد التجويد نبهه إليه بعد الفراغ من الحزب. [ 14 / 215 ] وكان أكره شيء إليه ما يسمى عند السوسيين قراءة (تاحزَّابت) لما فيها من الإخلال بقواعد التجويد الذي يترتب عليه الإخلال بالمعنى، فينصرف الطلبة إلى أشغالهم بالمدرسة، ويبقى هو بمكانه إلى الشروق، ثم يقوم إلى مجلسه بالمدرسة، حيث يعلم ما سوى القراءات من العلوم، فيجد من يريدون ذلك من الطلبة قد أخذوا مجالسهم ووضعوا في مكانه الكتب التي تتوقف عليها المراجعة، فيبدأ بدرس التوحيد، ويطلق فيه الحرية للطلبة في المناقشة والمناظرة ليأخذوا ما يأخذون عن يقين، وقد قال له طالب مرة: وإذا صدقنا بوجود الله ولم نصدّق بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال له: من كان هكذا يكون في عداد اليهود والنصارى، فإنهم يصدقون بالله وإنما الخلاف بيننا وبينهم في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان بما أنزل عليه، ثم يثني بدرس في الفقه، ثم يختم بدرس ثالث في العربية يجلب فيه النصوص على القواعد والشواهد واستيفاء إعرابها، ثم يقوم لتناول طعام الإفطار، وكثيرًا ما يكون في بيت السيد الحسين بن باها المقابل للمجلس، والذي يكون فيه دائمًا كل ما يتوقف عليه من سكر وإدام وفحم وغير ذلك إلا الخبز فإنه من الدار أو السوق، ولا يفطر في الدار إلا إذا كان اليوم يوم عطلة أو كان عنده ضيف لا عذر له في الاحتفال له.