الصفحة 6213 من 9223

كان -رحمه الله- من عمد الطريقة الألغية، محظيًا عند شيخه يراعيه أتم مراعاة، لصدقه ولمكانته العليا، فلذلك اهتم به وأمره بالسكنى بـ (رودانة) ، وقد سمعت أنه كتب إلى القاضي سيدي محمود أن يأخذ بيده في ذلك، فطاب له المقام بها، وكان زينة لها وبركتها المقصود، وكان مع اشتغاله بالتعليم لا يغب أذكاره، وذلك كله مع عزوف نفس وعلو همة وأنفة وتعال عن غير جنسه، وقد يتناول بالتأديب من لا يحترمون مقامه أو من يخولن بما بينهم وبين الله، ولم يكن بذي هلع في اكتساب الدنيا، فكان لا يبالي منها بأكثر مما يكفيه مئونة ساعته التي هو فيها، ولم تكن له أي حرفة يكتسب بها شيئًا من المال، سوى ما يشغله من الوظائف الدينية وفائدتها معروفة خصوصًا في عصره، وإلا خطة العدالة التي حمله إياها القضاة وهو لا يلي منها إلا عقد أنكحة بعض الأفاضل أو ما تدعو الضرورة إليه، ولو اشتغل بها لألهته عما هو فيه، ولظهر عليه أثرها في الثراء، ومع هذه الحالة ومع كثرة عياله وكثرة الواردين عليه فإن الله تعلى لم يكشف عنه ستره قط إلى أن توفاه إليه. [ 14 / 218 ] وإن مما لا شك فيه أن من كان لله كان الله له، وإن من أسباب تيسير الأعمال إخلاصها لوجه الله، فقد كان المترجم من الأساتذة الذين يتعلق بهم الطلبة ويجتمعون عليهم، وقد كانت البادية تتحمل له ذلك لما عرف به أهلها من تموين الطلبة وتحمل كلفهم، ولم يكد يستقر بـ (رودانة) حتى صار الطلبة يتواردون عليه كالعادة، فامتلأت مدرسة الجامع الكبير، ومن المعلوم أن أهل المدن الصناع المحترفين لا يتحملون تموين مثل ذلك القدر، بل ولا أقل منه، خصوصًا أهل (رودانة) المنهوكين إذ ذاك بتكاليف آل الحاج حماد بن حيدة بن ميس واتباعه، فشاءت الأقدار أن يتعين العلامة الفاضل سيدي الفاطمي الشرادي الفاسي الشهير قاضيا على (سوس) وأن يسكن في دور القضاة التيمليين التي لا يفصلها عن المدرسة إلا الجدران، وأن ينشأ سوء تفاهم بين الباشا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت