فهرس الكتاب
حيدة الجبار وبين زوجته وزة بنت بيرو المنابهية -ولعلها تصغير الزهرة- فتلتجئ إلى دار القاضي، فيتدخل بينها وبين زوجها، فيفعل وينجح تدخله، وكانت امرأة تميل إلى الخير، وهي التي أدارت الجدار بمقبرة باب الخميس صونا لها من الكلاب والذئاب، وهي التي وضعت على قبر صالح بن واندلوس (سيدي وسيدي) التابوت الذي عليه إلى الآن، وكانت لا تنفك عن إيلام الولائم للطلبة والمساكين في كثير من المناسبات، فأوعز إليها القاضي بأن تقوم بإطعام طلبة المترجم في مدرسة الجامع الكبير، فقامت بذلك خير قيام إذ ترسل إليهم في الصباح قلة عظيمة من الحريرة (الحساء) ، وترسل إليهم عند الغداء قطعة من الكسكس، ومثلها من العصيدة بالزيت واللبن في المساء، زيادة على ما تنفحهم به الفينة بعد الأخرى من ذبح الثيران وإرسال الدراهم وغير ذلك، فكفت الكثير من الطلبة الآفاقيين المحتاجين مئونة الاهتمام بأمر الطعام، فقامت المدرسة، زيادة على أنها تعطي لبعض الطلبة المشتغلين بغري القراءات من العلوم خبزتين كل يوم، وكان في المدرسة طالبان يسميان معًا مباركًا: أحدهما طويل جسيم بدين قوي، وهو رواداني ابن عم السيد أحمد ابن الطالب المتقدم الذكر، والآخر آفقي قصير نحيف الجسم ضعيف البنية غير أنه هادئ ساكن حسن السمت قلما يتكلم، فأطلق الطلبة على أحدهما السيد مبارك الطويل، وعلى الآخر السيد مبارك القصير (القيصور) ، فكان الطويل يأتي بالقصعة؛ لأن غيره لا يقدر على حملها، فلما مات صار يذهب إليها طالبان أو ثلاثة يتناوبونها، وكأن السيد مبارك القصير يأتي بالخبز ويفرقه على أربابه، وهو من بينهم وربما ذهب مرتين لضعفه عن حمله مرة واحدة.