فهرس الكتاب
ثم رجع أدراجه منفردا فوجد البواب ينتظره عند الباب فدخل وحده، فلما مر بالمترصدين لأخذ ذلك المال، علموا أنه نجى صاحبه، فركب الشيخ فضول في أصحابه وأبلغ الرجل مأمنه.
ومن أخباره أن السيد مباركا الطويل المتقدم الذكر غرس كرمتين بالمدرسة، فصلحتا حتى عرشتا على غالب صحنها، وتثمران عنبا أبيض جيدًا للغاية، وكان الطلبة يأكلونه دائمًا ويدعون لغارسه في حياته وبعد مماته، لأن المنية عاجلته في شبابه -رحمه الله-، فاتفق أن تولى إذ ذاك السيد محمد بن أحمد الدراخ -بتشديد الدال والخاء مسكنتين- الهيلاني الأصل، الروداني المولد والمنشأ، نظارة أحباس (سوس) ، وقد صار يشاع إذ ذاك أن المغاربة قوم لا يضبطون الأمور، وأن الفرنسيين أتقن للأمور وأضبط، فحاول كل الناس أن يتشبهوا بهم وخصوصًا الولاة المثقفين كهذا الناظر، فلما كان إبان إثمار كرمتي المدرسة، أكل الطلبة عنبها كالعادة، فقام الناظر وقعد وأقام ضجة كبرى حول اعتداء الطلبة على عنب الأحباس، وهم بإقامة دعوى ضد المترجم وطلبته في المحاكم، فما كان من المترجم إلا أن طلب منه توجيه المقومين ليقوموا كم يساوي ذلك العنب، ولما قوم أدى إليه ثمنه، ومن ثم جعل يرسل من يحضر سمسرته كل سنة فيشتريه ليأكله الطلبة الأفاقيون؛ لأن الغالب أن لا يأوي إلى المدرسة أهل البلد بل يقرءون في المدرسة ويذهبون إلى بيوتهم.