فهرس الكتاب
وقد دار الزمان دورته، فاستعادت اليوم كلمة الأدب مدلولها الشامل لكل ما تتطلبه الحياة العصرية مما يجعل الإنسان متصفا بالظرف وحسن التناول، فكان الأدب في كل عصر -باستثناء عصر الركود- عنوانًا للتقدم الفكري في الأمة، ومطمح الطبقة المستنيرة منها تأخذ بضبع المجتمع نحو الأهداف السامية والمثل العليا، وكان وما يزال من شعب المعرفة الجديرة بالاعتناء والتحصيل لا فرق فيه بين عرب وعجم، ولا بين زمان ومكان، والناس في الحكم على الأدب متفرقون إلى عدة فرق، فرقة أدركت فائدته وتذوقت لذته، فتغلغلت فيه وتغلغل فيها، فاستبدلت به كل شيء ولا تستبدله بشيء، وأولئك هم الأدباء حقا الذين تفزع الإنسانية إلى آثارهم بين الفينة والأخرى عند الحاجة لتجد فيها الروح والمتعة والأنس والسلوان واللذة، وفرقة أفزعها من الأدب ما ابتلى به بعض الأدباء من الفاقة، و (حرفة الأدب) ، فعدته شؤما، فتنكبت سبيله ومالت إلى العلوم التي تدعو إليها حاجة الناس في حياتهم الاجتماعية جريا منها مع المجتمع على قاعدة (خذوهم عند حاجتهم) متجاهلة أن سبب حرمان أولئك الأدباء هو قعودهم عن التكسب وانقطاعهم إلى فنهم مرتفعين إلى برجهم العاجي؛ حيث يحصنون أنفسهم من شرر التطاحن على الماديات وحيث يطلون على البشر بمنظار الغبطة ونخوة الاعتزاز بما انفردوا به.