فهرس الكتاب
أما الفرقة الثالثة، فلم تر من الأدب إلا أدب عصر الركود المنحصر في الرسائل المتكلفة الجافة والأمداح الغثيثة والغزل السمج المائع المستهتر؛ لأنهم وجدوا عصر ذلك الأدب متسما بسيماء الانحطاط والسخف، فعزوا ذلك إلى أدبه، ثم قاسوا عليه جميع الأدب العربي، فصاروا يحذرون الناس منه وينصحون لهم بالاستعاضة عنه بمعارف (خذوهم عند حاجتهم) ، ولو استنطقوا الأدب نفسه قبل أن يصدروا عليه ذلك الحكم القاسي لوجدوا عنده من الحجج ما يحول وجهة نظرهم، ولتبرأ لهم من أدب الخلاعة والمجون لما فيه من الزراية بشرفه خصوصا بعد أن اتسع اليوم مدلوله حتى كاد يشمل أشتات المعارف المتداولة العصرية.
وليس في إمكان أي كان أن ينكر ما في الأدب العربي في كل عصر من مجون وخلاعة، ولكن ذلك لا يحط من قيمته العامة إذ لم يأته ذلك إلا من ناحية لا يشذ عنها أي من آداب الأمم الغير العربية، وتلك الناحية هي ناحية تناوله للعواطف الآدمية وخلجات النفوس فيها فصورها كما هي، [ 14 / 230 ] ولم يتفق المسلمون في أي عصر على الرضا على ذلك النوع من الأدب؛ حتى إن منهم من حرم مثل شعر عمر بن أبي ربيعة وبشار بن برد وأبي نواس احترازا مما يشيعه شعرهم في الناس من انجرار مع تياره الخليع الدعر.
ولم يغفل التاريخ أن يسجل لأولئك الفحول وأضرابهم ما أعلنوه في شعرهم من ندم وتوبة عما فرط منهم، ولولا الرغبة في تقصير الكلام لسقنا أمثلة لما أشرنا إليه، ودواوينهم كفيلة بذلك لمن رجع إليها.
«الأديب»
لا يزال للعرب تدخل كبير في تحوير مدلولات الألفاظ منذ زمن غير يسير، ومن تتبع قراءة كتب مؤلفة في أعصر متتابعة متسلسلة قضى العجب من ذلك، ولعل هذا هو سر اضطرار الناس إلى تنقيح المعاجم أو تجديدها من آن لآخر.