فهرس الكتاب
ومن الكلمات التي يظهر أن العرف -عرف فئة خاصة- أدمجها في تحويره كلمة أديب، فإنك لتسمع الرجل ينعت الآخر بكلمة أديب حتى إذا طلبت في نفس هذا الأديب شيئا من مدلول هذا النعت لم تجد شيئًا.
ويظهر أن عرف هذه الفئة ليس الأديب فيه هو مثل أبي محمد عبد المجيد بن عبدون اليابري الذي وصفه الوزير أبو مروان عبد الملك بن زهر لولده الوزير أبي بكر بأنه أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الأدب أيسر محفوظاته كتاب الأغاني -أكثر من عشرين مجلدا ضخمًا- وما حفظه في ذكاء خاطره وقريحته؟ يعني أنه مع كون كتاب الأغاني على ضخامته من أقل محفوظاته، فإن خاطره وقريحته عندما يستعملها في الإنتاج يفوقان حفظه.
وليس الأديب فيه هو مثل أبي عمرو بندار بن عبد الحميد الكرخي الذي بلغ من اتساع حفظه أن كأن يحفظ من القصائد التي أولها: بانت سعاد فقط سبيعن قصيدة، والذي قال عنه رفيقه أبو العباس المبرد لا يشذ عن حفظ بندار من شعر الجاهلية إلا القليل وناهيك بشهادة المبرد.
وليس الأديب عندها هو مثل أبي بكر بن الأنباري الذي كان يحفظ ثلاث مائة ألف بيت من الشواهد على تفسير ألفاظ القرآن وإعرابه، والذي مرض يومًا فعاده أصدقاؤه من العلماء فرأوا من انزعاج والده شيئًا عظيما، فجعلوا يعظونه ويطيبون نفسه، فقال لهم: كيف لا أنزعج وهو يحفظ جميع ما ترون وأشار إلى خزانة مملوءة بالكتب. [ 14 / 231 ] وليس الأديب عندهم هو مثل أبي بكر محمد بن العباس الخوارزمي الذي أتى باب الصاحب ابن عباد، فقال لأحد حجابه: قل للصاحب أحد الأدباء بالباب، فلما أبلغ الحاجب ذلك إلى الصاحب قال له: قل له قد ألزمت نفسي أن لا يدخل عليّ من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فلما أبلغ الحاجب ذلك إلى أبي بكر الخوارزمي قال له: ارجع إليه وقل له أهذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء؟ فلما سمع الصاحب ذلك من حاجبه قال له: هذا لا يكون إلا أبا بكر الخوارزمي، فأذن له ودخل.