الصفحة 6233 من 9223

بل الأديب عند هذه الفئة من الناس هو ذلك الذي يتحذلق في كلامه، ويخترق الشوارع وفي يده جريدة، يحسن لبس ثيابه، ومشط شعره، وتسوية رباط عنقه، ودهن حذائه حتى ليخاله رائيه مفرغا كذلك في قالب كالدينار الجديد، أو مخرجا من صدفة كالؤلؤة، فإذا اختبرت نفسيته وجدت فيها عظمة دونها عظمة ملوك القرون الوسطى، وشموخًا دونه شموخ الجبال، ودعوى تكاد تماثل دعوى الذي قال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) .

وإذا خاض في الأدب لم يتخط حفظه بضعة أبيات من شعر المجون والخلاعة، يلذذ بها التهتك ويحلي بها الفجور، ومن هنا تتكون في ذهنه فكرة راسخة لا يقلعها أي قلاع وهي أن الشعراء كلهم مجان مستهترون، وإن ليس بشعر إلا ما كان كذلك، وإن من شروط الأديب أن يتوفر فيه أكثر ما يمكن من ذلك.

فإذا حاولت تنبيهه إلى أن الأدب مجموعة من فنون القول وثمار القرائح في مختلف الأغراض ومتنوع المناحي، لا يتجزأ جزء منها عن جزء ولا ينفصل شيء عن شيء، وهي كلها تؤلف ما يسمى بالأدب الذي لا يتم تذوقه إلا بطول الممارسة واستقصاء الفهم والتوسع في الحفظ، بحسب الإمكان، كل ذلك بعد تحصيل مجموعة من العلوم في مقدمتها النحو واللغة، وإن قواعد النحو والمفردات اللغوية بين أدباء كل لغة هي الرابطة الوثيقة التي تربطهم، والسور الذي يحوطون به إنتاجهم من الدخلاء والمتطفلين، ومن أراد أن يكون منهم فلا بد له أن يكون مثلهم أو يقاربهم على الأقل، أقول: إن حاولت تنبيه هذا الأديب إلى ذلك عدك رجعيا متأخرًا لا تساير روح العصر ولا تجاري التقدم، وليس التقدم في نظر هذه الفئة من الناس إلا في إطراح ما فيه عليهم عسر وكلفة والأخذ بالأسهل، ولولا المشقة ساد الناس كلهم كما يقول أبو الطيب -رحمه الله- (1)

لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والأقدام قتال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت