فهرس الكتاب
وإنك لتحضر المجلس يذكر فيه الرجل، فترمي في جانبه بالكلمة السيئة دون أن تلقي لها بالًا، فلا تعدم ثمة فضوليا مثلك ينقلها إلى من قيلت فيه يكون لها أسوأ الأثر فتضيف بذلك عدوا جديد على لائحة أعدائك، وإن الحرب أولها الكلام، كما قال الشاعر:
ومع ذلك فينبغي أن يكون لك من الفطنة ما يمنعك من الثقة بكل كلام طيب؛ لأن في الناس نوعًا تحسبه عند سماع كلامه اللين وروية هيئته الهادئة من زهاد الحكماء ونساك العقلاء، ولكنك عندما تختبره تجد أن هدوءه ليس إلا كهدوء النمر المتحفز للوثوب، ويرى هذا النوع من الناس إن صفته هذه من الحزم والذكاء والعقل، ولكنه في الواقع يزري بنفسه أكثر [ 14 / 239 ] مما يستغفل الناس إذ الناس أذكى من أن يستسلموا للحيلة أكثر من مرة واحدة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) ، فإذا فطن الناس انقلبت الثقة حذارا دائمًا وتحفظا محدقا.
أما الكلام الطيب، فكثيرًا ما يكون وسيلة للمعالجة أسوأ الأحوال أثرا، وإن الرجل ليكون في منتهى حدة غضبه، فتقول له الكلمة الطيبة فينطفئ غضبه كالجمرة الملقاة في الماء المثلج، وقديما قال الشاعر:
فداو برفق ما جرحت بغلطة ... فطيب كلام المرء طب كلامه
والقول الفصل في ذلك هو قول الله تعلى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) .