وفي سنة 1351 هـ كان معنا في زاوية (الغ) بالموسم، فبعد شهور من السنة ورد عليّ بـ (مراكش) ، فقال: إنما جئت لأودعك، فإنني سألتحق بربي وشيكا وسأمر بـ (أسفى) لزيارة الشيخ أبي محمد صالح، ثم أتوجه إلى مسكني بمتوكة)، فقد أصله وربما لا أصله، فكان الحال كذلك، فإن أجله أدركه في (ايبلعاس) قبل أن يصل داره، وهناك دفن، وقد أوصاني أن أبلغ لولده محمد أن لا يظن أن عند أبيه كنزا يغترف منه؛ لكثرة النفقات والأعطيات التي تفيض من يده، فيتعجب الناس من أين هي، ولكن إذا أراد الولد أن يحصل على هذا المقام، فليذكر ثلاثة آلاف من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما كان أبوه يفعل، وقد كان ذلك اليوم آخر يوم رأيته فيه رحمه الله.
هذا الذي حكيته إنما هو بعض ما وقع لي معه فأمره كله عجب، وأتذكر أنني جلست يوما آخر في دارنا بالرميلة في وقت العصر، والزمان صيف والفواكه موجودة، فقلت لجليس لي: إننا نشتهي الآن فاكهة، فإذا به ورد من بلده فدخل علينا ونحن لا نزال في الجلسة، وقد ملأ طرف سلهامه وغطاء رأسه بالفواكه، فقالوا: خذوا خذوا، وتفكهوا فإن الفاكهة تعجب الطلبة -والعادة أن يجعل البدويون الأشياء فيما جعلها فيه-.
هذا ولو جلس القارئ إلى الألوف الذين صاحبوا المترجم لرأى منهم كلهم وقائع تشبه هذه؛ لأن عادته هي إعلان المكاشفة، ويقول: إن عادتي مع الله أنه متى أراني شيئًا فإنما ذلك طريق ذيوعه على لساني، ولم أكن من طبقة المتكتمين، ولولا أن الله يحدث من أمره أحيانا غير ما يجري على لسانه لكان فتنة لكثيرين من الذين يولوعون بأمثاله، وقد كان يتحدث كثيرا عن الحرب الثانية التي مات قبلها بثماني سنوات، ويذكر انتصار ألمانية وانهزام فرنسة، فوقع ذلك، ولكن انهزمت المانية أخيرًا، وانتعشت فرنسة بعد انهزامها.