الصفحة 6389 من 9223

قال: كان إذ ذاك لا يزال شابا غرنيقا . كما اتصل بالطريقة . وقد ذاق منها أزواقا . فقلت له: وكيف كان سيدي سعيد يجمع في السوق . فقال: كان إذا تناول فضة ألقاها في جيبه . و إن تناول فلوسا , ألقاها في الجراب المثقوب للصبيان الذين يتبعونه . و في العشي راح إلى قرية ) أزيار ) حيث والده المبجل المحترم , فقيه القبيلة . سيدي محمد بن أحمد الزيبي ويعلم الله كيف كان يتلقى هذه الصدمة العنيفة , وبأى وجه يقابل ولده . وهو الذي كان يقول له في أول اتصاله بطريقة الصوفية - كما كان يحكيه صاحب الترجمة دائما - الآن خبت في دراسة ما تدرسه في العلوم . ولم تنل منه مبلغا عاليا . ملت إلى هذه الحالة الجديدة . فقل لي بالله: ماذا تتطلبون بعد في طريقتكم هذه . فها أنتم أولاء مسلمون . وهذا كتاب الله بينكم . وهذا مفتاحه في أيديكم فقد أخذتم من العلوم ما تتفهمونه به . أتريدون أن تطيروا في أجواز السماء . وذلك ليس لكم . لأن الخلق الذي كونه الله للطيران , قد جعل له من الأجنحة ما يحلق به في الجو . في كلام

مثل هذا فإن كان يجلله بمثل هذا للتأنيب قبل أن يجول في هذه الحالة الجديدة . فأى شيئ تراه يقابله به الآن . إلا إذا طوى رأسه تحت جناحه وترك الأمور تجري في ميادينها كما تشاء التصاريف .

أخبرني المؤذن المذكر أن صاحب الترجمة وقد رجع من السوق إلى قرية ) أزار ) كان يتناول من عصيده أو من كسكس ملتوت باللبن . والقصعة أمامه . فتناول منه حفنة بيده فوضعها على رأس أخ صغير له إذ ذاك . وهو بذؤابتيه , فصار يلطخه بها . كما تفعل نساء باديتنا بالحناء الملتوت على رؤوس الصبيان . والصبي يبكي . وقد اجتمعت عليه سحابة من الذباب . فصار صاحب الترجمة يقول: أولا ترون هذا الذباب المسكين يتناول أيضًا بدوره من الطعام ، فلماذا لا تشفقون عليه . فتقدمون له من الطعام ما تقدموا لأنفسكم . أولا تحبون إلا النحل الذي يصنع لكم العسل ؟ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت