فهرس الكتاب
حقا ذلك ما أتقين أنا أن فلانا وفلانا وفلانا من أناس معاصرين استحضرتهم الآن في ذهني . دأبو على المجاهدات سنين . وأمضوا شبابهم في خدمة أشياخهم في الزوايا . ولكن شيخنا هذا رأينا منه عجبا . فإنه ما كاد يستقر في داره حتى اتخذها خلوة ومعتزلا عن أناس فلا يراه إلا من قصده أو استضافه . فلم يخطر له بعد أن يلقن الورد لأحد . ولا كانت له همة إلا في استجداد مجاهدات جديدة . كأنه ما انتقل من ) ألغ ) إلى ) ازيتار ) . إلا ليتفرغ لنفسه . وليقبل كل الإقبال على ربه .
إن كثير من الفقراء الذين يجاورون تلك القبيلة . ينتحونه فيضيفهم . ويذكر معهم كواحد منهم . ويفيض عليهم بكرمه . ثم يودعهم من غير أن يتزازل عن العزلة التي حبي عليها نفسه . ثم ازداد به ضيق الصدر . حتى أنه ليستثقل المجالسة معهم كثيرا . فكان يتكلف ذلك أداء الحق لزوره . ثم ينفتل إلى زاوية غرفته العليا . فيقبل على شأنه إقبالا . وقد قال يوما لبعض الناس: إن سعة الصدر التي كان الله أعطاها لي قبل اليوم قد رفعها عني اليوم . فازداد حرجا من كثرة مزاولة الناس . فهكذا لوى رأسه تحت طى الجناح . ونفض يده من الناس قبل أن ينفضو أيديهم على رمسه .
كان ذلك البلد الذي يقطنه . بلدا جبليا لا يكاد الإنسان يجد فيه القوت إلا بكد ونصب . فكان يتيسر له أن يحرث مثل الناس . ولا يحتاج إلا أن يفتح فاه بذلك . ويسمعه منه الناس . فيقومون له في ذلك بكل شيئ ولكنه معرض عن ذلك غير متهم به . فيكتفي بما يفتح الله به عليه . من غير تشوف إلى الادرخار . وكثير من الناس حادثوه في ذلك .
فكان يقول: إننا من تصدرنا لمثل ذلك . فإن الناس سينثالون علينا أكثر مما انثالوا علينا . فيحولون بينا وبين ما نريد . ولأن يرانا الناس بعين الضعفة والمساكين والمحتاجين . أولى من أن يرونا في مزاولة الأشغال . والامتلاك والادخار .