فهرس الكتاب
هذا والجيش الحكومي ليس مقصوده إلا الإنسحاب إلى وراء، بعد أن أدى المأمورية التي يزعم أنها وضعت على عاتقه من الاتصال بالمدافع، فصار ينسحب بنظام، والقبليون يرون أنه انهزم منهم، فيضرون على مصادمته، ولكنهم سرعان ما يحصدون بالرصاص الذي كان كما حكى لي من حضر كالمطر المنهمر، ولم يبق وراء الجيش المنسحب جريح ولا ميت، على العادة المعروفة في الحرب النظامية، فما زال هذا الإنسحاب مستمرا حتى نزلت الفيالق من الثنية التي تشرف على مشهد سيدي بوعبدلي، وزعم بعضهم ممن اعتنى بتقييد ما كان إذ ذاك أن عدد القنابر التي قذفتها المدافع ذلك النهار - 6000 - وأن القتلى من القبائل - 95 - والخيل - 82 - ومن الجيش الحكومي - 285 - قتيلا، ومن الخيل 70 هذا ما زعم، ولا أدري من أين يتوصل بالأخبار المدققة عمن مات من الجيش الحكومي، مع أن ذلك عادة مما يحيط به التكتم، وهذا ليلة الأربعاء وقد نزل الجيش أيضًا في ( بونعمان ) وفي الخميس نزل بتالعينت عشر ليالي، فرجعت أيضا المخابرة على أيدي القواد الحاج التهامي، والخليفة أبي السلام المتوكي، وأمثالهما فطابت نفوس البعمرانيين والإخصاصيين والمجاطيين إذ ذاك للمصالحة بعد أن عركوا تلك العركة الشديدة الوطأة، وقد أدرك العقلاء منهم أن الحكومة لو أرادت الإستيلاء يوم ذاك على تلك الجهة كلها لسهل عليها الأمر بعد أن طلعت إلى أعالي البلاد، ولكن الحكومة إذ ذاك في الحرب الكبرى، وهي تريد أن تحافظ على ما بينها وبين أسبانيا التي ترى أن الجهة هي نصيبها في الجنوب 98/2
99/2 المغربي، على أن فرنسا حقيقة ليس من خطتها إذ ذاك الإستيلاء التام على الأطلس الصغير، لأنها لا تدري ما عسى أن تلاقي من هؤلاء المجاهدين الذين صمدوا أمامها منذ سنين، والحرب الكبرى إذ ذاك قائمة ففيها وحدها همها الكبير، فلا تبالي بهذه الزاوية التي لا تعد شيئا مذكورا، وفي استطاعتها أن ترجئ أمرها إلى وقت يليق