فهرس الكتاب
كان حقيقة من الصوفية الذين يحبون أن يجمعوا بين الأحوال والأقوال فكان ذا مجاهدات لا يفتر عنها ، كقيام الثلث الأخير من الليل . فقد كنت أبيت عنده كثيرا إذ ذاك فلم أره يترك التهجد ليلة . وربما يعروه حال غريب . يستولي عليه حتى يصرخ صراخ المغلوب على نفسه . فيستفيق كل من في الدار . وقد وقع له ذلك مرة . فأيقظني صراخه فزعا . لا أدري ما وقع له . وذلك قبل أن أعرف منه هذا الحال . ثم لم أعد أهتم به أن عراه
ذلك الحال بعد أن عرفت حاله . وكذلك لم يكن يفارق الوضوء غالبا . ولا الإكباب على الذكر في سبحة . ما لم يشتغل بمحادثة إنسان . أو مطالعة كتاب . و إن كانت لا تفارق يده السبحة في جميع أحواله . وكان أحيانا كريما حتى لا يوكئ على شيئ . وربما أداه ذلك حتى يملق أملاقا متصلا . غير أن قرينته كانت من أسرة لها أراض في ) زطاط ) فكان بتوكيلها يبيع من حظها شيئا فشيئا . ما يرتاش به كلما حص جناحه . ولايزال على ذلك حتى نفدت تلك الأراضي أو كادت . وقد انتقل من ) مراكش ) إلى ) الجديدة ) فسكنها ، ولايزال بها إلى أن توفيّ . وهو ذو أحوال تختلف . فبينما تراه يحاسب على الدانق . إذا به يهب عشرات . ولما له من اليد المبسوطة في كل ما تملكه يده يقع أحيانا في إنفاض وإقلال . وقد شاهدته مرة في مجلس للفقراء . طافت به الأريحية . وهبت عليه النفحات . وقد أنشد منشدهم قول القائل:
من ذا يبشرني بيوم لقاء *** أعطيه من فرط السرور ردائي