نحن نعلم جدا العلم أن لكل من يتعاطى العلوم نزوة ونخوة وكبرياء وخيلاء يتجاوز أحيانا فيها الحد وإن لكل من اعتنق التصوف المعهود في مثل الطريقة الدرقاوية نكران النفس ـ وأخباتا وتواضعا قد يتجاوز كذلك الحد وربما كان عين التماوت الذي كان عمر بن الخطاب يضرب عليه أصحابه بدرته وهو يقول أرفعوا رؤوسكم أتريدون أن تميتوا علينا ديننا ولكن إذا التقى حال العلماء بحال هؤلاء الصوفية وكانت النية خالصة وامتزجا معا في قلب صاحبها فإن ذلك ينتج خشوعا حيا وهذا حال المترجم فكان له بذلك شفوف على من لم يشتمل إلا على أحد الصفتين وكانت له مذاكرة عالية تستمد من المعالي وهمة كبيرة حتى أن كل من ليس له ذلك النزع لا يكاد يجالسه مع قيام الليل وتلاوة القرآن وقد أجرى من ذكره لي سيلا مفعما من الثناء عليه ثم يقول أن هذا الوصف حقا دون ما يستحق وقد خلف بعده أولاده ولكن لم يسلكوا طريق والدهم في العلوم هذا وأنه لا يزال في النوازل يمارسها في تلك الجهة مع هذه الأوصاف فاشتهر بقول الحق وتحين القول الفصل رحمه الله رحمة واسعة وقد كان رأى في المنام أن سبب موته يكون بالجوع فيرجع مرة من مشارطة قرية من قرى (إتبيرن) من المغارتيين وكان العام عام جدب، فأطال في الطريق وما كان ذاق شيئا فغلبته حرارة خلاء جوفه حتى سقط عن مركوب كان ركبه وكان معه ولد له فما لبث أن مات فدفن في بلد (الركن) فكان تلك الرؤيا من المرائي الصادقة قال عارفة أنه أمضى حياته في التقشف وفي الإقلال ولم يتسع قط في المعيشة وقد طال عمره حتى أسن ولكن لم يفتر عن العبادة والتهجد والبكاء، بالخشوع فتسمع نسيجه وهو ساجد قال وقد رأى بعد موته متحليا [16/47] جنون وهاج متلألئ رحمه الله ورضي عنه ومما يتعلق به أنه كان شديدا على التلاميذ الذين يعلمهم القرآن حتى أنه أهلك أحد أولاده يوما كتب له اللوحة فلم يحفظها فأهوى إليه بحجر فإذا به كسر بعض أضلاعه فهلك في الحين وكان مع هذه الشدة