ومن زهد الشيخ رضي الله عنه أن فقيها كان مشارطا في منكب بني مواسة ـ خرب اليوم من قبيلة إيرازان في حياة الشيخ فجاء يوم أربعاء لزيارة الشيخ في طائفة من أصحابه فباتوا في الزاوية فقال الفقيه لخادم الشيخ استأذن لي من الشيخ لأزور منه لأنني سأبكر للصبيان في المسجد ولأدرك الجمعة عند أصحابي فأذن له أن يأتي إلى خلوته بعد صلاة العشاء قال الفقيه فجلست أمام خلوته وهو لاه عني بالتهجد حتى يئست فتنحنحت ليسمعني ولم يخرج إلي إلا بعد أن استيقظ الناس فإذا بابنة صغيرة في يدها إناء فيه طعام قليل قدر ما تطعمه الأم لولدها في المهد ومعها إناء صغير فيه ماء فطرقت باب الخلوة فلما سلم من الركعة التي كان فيها خرج فوجد الفقيه فقال له نسيتك يا ولدي فلا بد أن تأكل معي فاعتذرت بأنني تعيشت فقال ولابد فوضعت يدي في إناء الطعام ثم دخل الخلوة وأتى بمزود مملوء فقبض قبضة من دقيق نوى التمر فوضعه في ناحية الفقيه فإذا بتلك الصبية أتت بإناء فيه شيء من اللبن فأفرغ الشيخ اللبن على دقيق النوى قال الفقيه فأكلته ولم أرض به وإنما ابتلعته مرغما والشيخ يحثني في أن أمعن في أكل ما بقي في الإناء ثم دعا لي وحضني على العلم والدين وزودني بخمس تمرات فأكلتها وذهبت.
هكذا معيشة الشيخ إعراضا عن اللذائذ والشهوات.
ومن أخبار أن رجلين تخاصما فتحاكما إليه رضي الله عنه فأجلهما مرارا ليدلي كل واحد بما ينفعه وكان تحت يد أحدهما وثيقة فيها بيان الدعوى على وجهها فأبى أن يأتي بها وأنكر أن تكون عنده فحاول منه الشيخ ذلك مرارا فأنكر فقال له سبحان الله أم تضعها فوق خشبة في سقف بيتك فحينئذ اعترف فأتى بها فوقع الفصال بينهما.