فهرس الكتاب
تلك بعض أحوال الأخ رحمه الله، ونبذة صغيرة جدا تبين للقاريء نفسيته وكيف هو، ولا يحسبن القارئ إنني أزخرف عنه، بل كان الحديث من لسانه أطرى وأندى وأكثر زخرفة ورونقا وبهجة مما بقلمي، وكانت أحاديثه إذا نشط للمحادثة، كسلك من أسلاك التليفون تحسبه منقطعا عند كل خشبة، ولكنه لا يلبث أن يدفع إلى بقية أعجب وآنق، والذي يعجبني من حديثه أنه يتحرى فيه الصدق، ويقول بكل شجاعة ما صدرمنه، وإن كانت نقيصة في نفس الأمر، وقد رأيت كيف إنه يمالئ أمثال التيييوتي، والحاج حماد وأمثالهما أحيانًا مع أنهم من أركان الاحتلال، ومن الأعداء الألداء للمجاهدين إذ ذاك ثم كان دليلا لفرقة من جيش الاحتلال في جزولة، غير أنه تاب من ذلك، وتراجع في الأيام التي تلي هذه، وذلك أن حاله أخيرا أحسن في كل ناحية، فصار يشمئز مما تقدم له، بعد أن نفض منه يده وتاب منه، بل صار كأنه يحيا حياة أخرى، وإنما يندفع إلى التحدث عما مضى له، فيزجي الوقت بتذكره، ثم لا عليه أن يذكر كل ما يحيط به
وقد كان رحمه الله ممن أسعده الحظ، فجعل البركة في ذات يده مع قلته، فما كان يتوقف على أحد في السلف ولا في غيره، وذلك بالقناعة، خصوصا قرب وفاته، فقد شاهدت منه عجبا، وقد مر في ترجمة الأخ سيدي محمد أن هذا كان أيضًا ممن يتجر في السكر الذي تنفذه الحكومة لمن شاءت قبل الاحتلال - وذلك مما أثار حول المترجم أيضًا ما أثار بين قبائل تلك الجهة التي تنضوي تحت ضبن آل الهيبة - فأعانه ذلك بعض إعانة على ضنك إلغ وفقره، ولكونه يستعين بذلك في معاشه غبطة أناس كما حسده آخرون، ولو وجد الفريقان ما وجد لما نبسوا بكلمة في جانبه