الصفحة 7123 من 9223

ولا أدري هل يجد المؤرخ بينه وبين أبي محلى شبها أو يجد بينهما بونا شاسعا وأما أنا ففي أصحاب هذا الرأي الأخير لأن الأول لم يرو عنه هذا الإسفاف في الملاذ والشهوات بعد أن تولى سنة 1020 هـ إلى أن قتل إزاء كيليز عام 1022 هـ بل كان أمره يشتد وشأنه يعلو ومزاياه تظهر كلما طالت أيامه في مملكته التي امتدت من تافيلالت ودرعة إلى مراكش بخلاف هذا فإن أمره بدأ مشتدا مستقيما ثم صار يعوج شيئا فشيئا ومؤسسا على الدين ثم تكشفت أفعاله عن سفاسف ودنايا لا تصدر إلا ممن لا مبدأ له سديدا ولا مقصد محمودا هذا هو الفرق الذي يظهر لي على أن كل واحد منهما تربى في زاوية وتخلق بالتصوف وعلى أنه شتان بين أبي محلى العلامة الكبير مؤلف كتاب الأصليت مع كتب أخرى الراحل إلى الشرق والذي له قدم راسخة في التصوف يشهد له به معاصروه وله مقام كبير في العلوم تشهد له به آثاره وليس هذا الأمي الذي سمعت سيرته وما يقوله عند الفقراء أصحابه الذين توعد كل من يأتي إليه منهم بعد استيلائه بـ تافيلالت بقطع الأعناق وقصم الأصلاب خوف أن يعلنوا بشخصيته الحقيقية وأصله الأصيل حتى أنني سمعت أن أباه ذهب إليه فتنكر له وأن أناسا عرفوا فأمر بهم فردموا في حفرة أحياء إلى أن هلكوا.

وقد سمعت من بعض أساتذتي المفكرين أن أبا محلى هذا من أفذاذ الرجال الذين يقلون في كل جيل ولو تم له الأمر ونجا من يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم فكان له شأن يسطره عنه التاريخ بأقلام من ذهب ولكن كبا به السعد وأدركته حرفة الأدب فجاءته الرصاصة التي أصابته من الجيش السوسي الذي قاده يحيى المذكور وقد خرفت دماغه فإن كانت قد خلفتها تلك العبارة المشهورة:

قام طيشا ومات كبشا)

والناس من يلق خير قائلون له *** ما يشتهي ولام المخطئ الهبل. [16/269]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت