فهرس الكتاب
شاع عند الأغبياء بعد تلك المعركة أن الانتصار إنما وقع ببركة الرجل وأن الرصاص يقع باردا على أصحابه فنفخ الشيطان في هذه الدعوى فتمكنت هيبته في القلوب فوفد عليه أهل قرى تافيلالت بالهدايا مذعنين وهو في داره المتقدمة في أيت عطة فطلبوا منه أن ينزل بين ظهرانيهم فإنهم مبايعوه وناصروه فقام معهم إلى أن وصل إلى تكرومت فأقام في هذه القرية الصغيرة فأوعز إلى النكادي أن يشدد الوطأة على الناس خصوصا الشرفاء وكل من يميل إلى الحكومة فسلك النكادي في الناس مسلك الحجاج فكانت فاتحة أفعاله أن فتك بالقاضي سيدي عبد الواحد ابن القاضي سيدي الهاشمي فقد استدعاه إلى فسطاطه فبات عنده ثم ألزمه أن يسافر إلى سلطانه فأسلس القاضي وذهب فأرسل معه فارسين وفي أثناء الطريق أطلقا فيه رصاصتين فقضى نحبه بعد أن تشهد وكان هذا القاضي تولى القضاء بعد والده وهما معا من أهل الصلاح هكذا فاتحة أعمال هذا الرجل ثم ثنى ذلك بنهب داره ثم تخريبها [16/279] ثم تلا ذلك إجلاء أعيان القطر والفتك بهم كما فتك بمقدم زاوية مولاي علي الشريف بعد القاضي بأيام فحمل هذا الضغط الناس إلى أن صاروا يتهافتون على باب المدعي من الخوف وحيث ينزل فيتنافسون في تقديم التحف وما يملكون (وقد أهدى له شريف سيفا لمولاي سليمان كما فعل الشريف مولاي عبد الله بن مولاي الرشيد فقد أهدى إليه سرجا وكرسيا وغيرهما من الطرف ثم لم ينجه ذلك من الفتك به وشيكا فبذلك ساد الذل على الناس وإذ ذاك ارتحل المدعي من منزله إلى أن حل في الريصاني(1)
(1) قال: بعدما استولى النكادي على تيغمرت التي لم يكن إذ ذاك الفرنسيين مركز في تافيلالت سواها تبعهم إلى المعاضيد لما غادروه ورجع هو إلى الريصاني فجمع الغنائم المتحصلة من وقعة البطحاء من البغال والخيل والسلاح وما إلى ذلك كما استولى على أموال أولاد مولاي رشيد الذين هربوا مع الفرنسيين
فاجتمع إذ ذاك أهل تافيلالت بعلمائهم وشرفائهم وقد سكروا بخمرة الانتصار على العدو فطلبوا منه أن يبايعوه على الجهاد فقال لهم إنما هو تابع لصاحب الوقت وهو الذي يستحق أن يبايع له، وذكر لهم الثائر ثم أرسل إليه فرسانا مع العطاويين وغيرهم ومعهم فرسان مسرجان وكسوة ملوكية مما أخذه من دار أولاد مولاي رشيد فلما وصل هؤلاء الثائر جاءوا به وقد ركب على أحد الفرسين وقيد الأخرى أمامه كما تقاد الجنائب أمام الملوك فلما وصل إلى تاكرومت خارج تافيلالت تلقاه كل الفيلاليين على اختلاف طبقاتهم بالأعلام الخافقة وفي طليعتهم القاضي عبد الواحد والقيم على مشهد مولاي علي الشريف فإذا بالثائر يأمر بهذين فقتلا في الحين ليظهر للناس القوة والهيبة وقد ثرب على القاضي لكونه استخذى للنصارى وقال مثل ذلك للقيم ثم زاد قدما حتى دخل مشهد مولاي الحسن فذبح فيه ثم بقي هناك أياما ثم انتقل إلى الريصاني حيث القصر الملكي وهناك كتبت البيعة وتسمى بـ مولاي محمد بن الحسن واتخذ طابعا فيه هذا الاسم وصار يخاطب له على المنابر وقد اقتدى بأبي حمارة الذي تسمى أيضا بمولاي محمد بن الحسن ادعاء أنه مولاي محمد الابن الأكبر لمولاي الحسن الملك.