فهرس الكتاب
128/2 الأستاذ وتجرعه مرارة ما يسمعه من الكلام الجافي أحيانا
بعد رجوعه من الإخصاص
بقي هناك ما بقي، وقلب والده الحنون الذي هو كقلوب كل الآباء، يترجى من ولده هذا العلامة أن يؤوب بعقلية كالتي تعهد من الأسلاف، تدعمها المروءة، ويقومها التثبت، ويحوطها المشي بالهوينى في جميع الامور، ولكن صاحبنا الذي نشأ في عز الجاه ورفاهية المال، واحترام العلم، لما يدرك كل ما يراد منه، حتى أنه بعد ما رجع من الإخصاص، وقع بينه وبين والده ما يقع دائما بين مختلفي الأفكار، ومتوزعي النزعات، ولكن الأستاذ ساير وأغضى، وهو ينشد بلسان حاله ما قاله الأول:
فان يك عامر قد قال جهلا *** فإن مطية الجهل الشباب
ولم ينشب الجرح أن اندمل بسرعة من غير أن يترك حتى يكون نغلا
يتزوج
زالت تلك النفرة التي ما سببها إلا ما يلفقه القتاتون النمامون بين أكرم والد وأبر ولد، وكل نفرة تسبب عن أمثال ذلك فسرعان ما تزول، لأن الباطل لا يطول إلا في الوقت الذي يغفل فيه الحق عنه، ومأثورة والده عليه إلا لكونه يريد أن يتزوج ويرتكز ليعمر المقام الذي لا بد له منه، بعد أن يتقيد بقيد الرجولة، وأن يتحصن بحصن المروءة، ولكن الأقدار لا تغالب، فلم يتزوج إلا بعد وفاة والده بسنوات، وذلك في سنة1351 هوإلا بعد أن أوصى والده بالمدرسة له، فكان ذلك علامة رضا عنه كل الرضا
تزوج كريمة من كرائم إحدى عماته، وهي بنت السيد محمد بن الحاج إبراهيم الإيغشاني، فقام عرس عظيم لا نظير له، وقد زف السيدة نحو ثلاثمائة من الإيغشانيين، يقودهم الشاب علي بن أحمد الذي هو إذ ذاك فُرهُد كما ابتدأ يظهر تحت نظر والده في الميدان، فظهرت منه وممن معه يملونه كشروط - على عادة الذين يجلون عروسا إلى زوجها - أعمال لا تليق ولا توافق مكانة الأستاذ المتزوج، ولا مكانة آله آل علي بن عبد الله أجمعين، ولكن ذهب الرجال، فجاء أمثال هذا الشاب الغر علي بن أحمد الذي لا يمكن أن يقدر الناس قدرهم