فهرس الكتاب
رحمك الله ياأخي أحمد، فقد أكثرت عليه يوما وأكثر علي، ونحن منحدرون في عشية إلى بستاننا الشمالي، فقال لي تعال أرك حسنات كل واحد ممن أعرفهم وتعرفهم من الإلغيين، فقلت له على شرط أن تترك انتقادك الآن، وأن تعدني على أن تنصف، فقال ها أنذا أنصف، ثم صار يسرد علي منهم إلى أن وصل إلى صاحب الترجمة، فقال إنه أحسن الناس مجالسة، وأفضلهم استماعا، فقد كنت أراه في محافل المذاكرة والمباحثة، ملازما للتؤدة والوقار، فلا يجادل ولا يصاول بالبحث، يقبل ويرد بالأدب، كان دائما يعجبني بذلك، فليس كفلان وفلان اللذين إذا كانا في مثل تلك المحافل يثاور أحدهما صاحبه، كأنهما ديكان يتناقشان، فقلت أو لم أطلب منك ترك الانتقاد؟ فإنني لا أحب أن أسمع أي انتقاد منك في أبناء العلم الذين هم شعاري ودثاري، أشيد بحسناتهم وأتغافل عن سيئاتهم.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
ثم قال ومن خلق سيدي المدني أيضًا الكرم، فإنه اليوم من لم يزل يتصف بهذه الخلة التي نفض منها الإلغيون أيديهم، فلا يمكن أن يبصر ضيفا فيروغ عنه، أو يتجهم في وجهه، أو يجيف بابه أمامه، فهذا ما قال الأخ رحمه الله إذ ذاك ثم أعاده مرات أخرى، وزاد أن الجهة التي يوتي منها سيدي المدني هي عدم اقتداره أن يملك سره، أو يهدئ أعصابه، فيقول في كل مجلس أو مع من يلقاه ما في صدره، فلا يقدر على الكتمان، فلو كان يزم لسانه عن الناس، ويتظاهر بما يتظاهر به الناس من الإغضاء وعدم الصراحة، لما وجد فيه أحد ما يقول ولو 130/2