فهرس الكتاب
أما بعد: فقد حدث اليوم أن دب إبليس دبيبه، وأناب عنه بعض صحابته من بني آدم ليكون خطيبه، فقد علم كل واحد أننا في بلادنا اختلفنا في مسألة غير منصوصة تواقف فيها المتخالفون صفوفًا مرصوصة. فرفعها أحد الفريقين إلى فاس، لعله يستند إلى تأييد من فيها من الأكياس (1) فجاءه الجواب من بعض العلماء بالموافقة، والغالب ممن نعرف مكانتهم لم نعلم بسكوته أخالف ذلك أم وافقه (2) فكتب بعض فقهائنا على قول ما 121/17
122/17أيدهم به بعض الفاسيين. يجاذبه أطراف الكلام على عادة المتناظرين القياسيين، لأن المسألة تتجاذبها الأقيسة من الجوانب، يختص كل قياس بجانب، وكان ينبغي حين تكافأت الأدلة، وغمت في يوم الشك الأهلة، أن يسكت عن ذلك، فيسلك المحكم في القضية ما سنح (3) له من المسالك، هذا ما ينبغي ويجب عند كل من ينتظر يوم الحساب ويرتقب. كما كان يجب أيضًا على السادات الفاسيين الذين رأوا كلام من يبحث فيما ذهبوا إليه أن يجيبوا الكلام بما أوصل الفهم لكل واحد إليه عينيه، ولكن مال هؤلاء السادات إلى ما لا يليق، فلمعوا بفرند (4) خاطف له بريق. وقد خاموا (5) عن المناظرة إلى المهاترة (6) ، وعلى سبيل العلماء إلى طبع اللؤماء، وعن اهتداء المنصفين إلى اعتساف المجحفين (7) فهمزوا ولمزوا (8) وجسوا وغمزوا، وقد نسوا آداب المناظرة، وشروط المحاضرة.
أوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا يا سعد تورد الإبل
(1) العقلاء.
(2) يعني: أن مشاهير فاس المذكورين لم يؤثر عنهم شيء في النازلة.
(3) سنح: ظهر وعرض وتبين.
(4) الفرند: السيف الفريد، والبريق: اللمعان.
(5) خاموا: حادوا.
(6) المشاغبة والمشاكسة.
(7) اعتسف: إذا مشى بغير هدى، والإجحاف بالشيء أن تنقص منه كثيرًا.
(8) الهمز واللمز: الوقوع في الأعراض بإشارات.