فهرس الكتاب
وقوله: ومع الحامل ما كتبتموه مردودًا، وما عندنا في المسألة أولًا لا نزال عليه ولا يرى منا عنه صدودًا، أما رد ما رد فتلك بضاعتنا ردت إلينا، ونقول ما قاله صاعد (1) حين سقط كتاب الفصوص في النهر:
عاد إلى معدنه إنما * يوجد في قعر البحار الفصوص (2) .
وأما بقاء من بقي على قوله في المسألة فلا حرج، فقد قدمنا أن المسألة غير منصوصة بعينها في أي كتاب، وقد تجاذبتها أقيسة، فالله أعلم بالصواب، وفي مثل ذلك لا حرج أن يبقى الإنسان مع ما ظهر له، فلا تناله بذلك معذلة، وما حول هذا ندندن (3) وإنما مقصودنا مقارعة هذا الكاتب الغامز المفتتن. وقوله: على أننا نطلب منكم يا إخواننا أن لا تؤاخذوا، وأن لا تتكلموا على ما تقتضيه البلاغة في المقام فتنابذوا، فتربصوا حتّى تتفهموا مقاصد العبارات لئلا تزل بكم في مسالك البلغاء قدم فتحسبوا هذا من المبارأة. هذا ما يقوله هذا الأخرق، كأنه يريد أن يقول: إن بلاغته هو لا تتم إلا بالغمز واللمز، فيجب أن يترك ذلك غير مفهوم، وهذا من أغرب الفهوم، فكيف لا نؤاخذك أو لا ننابذك، وقد لحوت الأعواد (4) ، وحكمت علينا بعقول الجراد، فهل إذا امتعضنا (5) لأعراضنا المنهوكة وسجوفنا المهتوكة يكون ذلك دلالة على أن القدم زلت بنا في مسالك البلغاء، وأننا غلطنا فحسبنا صوت الحمام الرخيم رغاء؟ فهل أنت يا هذا ممسوس (6) أم 135/17
(1) صاعد اللغوي الأندلسي، توفي في أوائل القرن الخامس، وكتابه هذا موجود اليوم في مكتبة القرويين.
(2) لذلك قصة، وذلك النهر نهر قرطبة.
(3) الدندنة: الصوت الخفي، ويقصد بها مطلق كل صوت.
(4) لَحَوْت العود: قشرته، والمقصود نهك الأعراض.
(5) الامتعاض: الغضب.
(6) الممسوس من مسته جنّة.