الصفحة 751 من 9223

ينصت بكلتا أذنيه المرهفتين إلى من يجيبه عن بحثه، ثم يراده بملاطفة، وهو بين هذا وذاك، لا يسلم لمباحثه، حتى يدرك ما يقوله غاية إدراك، وحتى يشاهده بعينيه عيانا، وكل ذلك منه خلق لا تخلق، وهو لا يرهب إثارة مبحث بين يدي من كانوا أسن منه، فلا يمنعه صغره في ريق شبابه أن يقابل عمه الأستاذ وخاله الشيخ الوالد، بمرادة فيما لم يظهر له أنه الحق، ثم لا ينقاد إلا إذا استبان الحقيقة ناصعة، وقد كان أدرك ما أدرك من أيام والده، فلاحظ منه والده بتفرسه منذ ذلك الحين هذا الإقدام، فقال كلمته المأثورة: ( إن ولدي هذا لجسور ) فبين هذه المباحث درج، وبين هؤلاء الفحول شب، وفي هذه الأخلاق الوثابة والنفس الطموح، نشأ مقداما لا يهاب في الحق أحدا، ولا يحني هامته إلا إذا حناها لمن يعرفه حقا، فلا خير في طرف لم يك قماصا، ولا في باز لا يكون منقضا، ثم ما زالت به عناية الله حتى تكشف عن عالم خريت في كل الفنون التي درسها، وشاعر خِنذيذ في الطريقة التي يسلكها الإلغيون، وفي الموضوعات التي يطرقونها، والإنسان لا يطلب منه أن يخرج عن نطاق بيئته علما ونظرا وتفكيرا.

مبتدأه:

إن في اليتم لنعما ادخرها الله لليتامى وحدهم، وزواها عن كل من درج بين أحضان والديه مدللا مرفها، وفي مقدمة هذه النعم تكون الاعتماد على النفس في الإنسان، حتى إنك إن جلست بينك وبين نفسك، فأمررت بين عينيك من نشأوا في هذه الحالة، ومن نشأوا بين أحضان الوالدين، لتعاين عشرات من الأولين ناجحين في المعترك الحيوي، ثم لا تجد في الشق الآخر إلا وحدانا هم الذين صافحهم النجاح، وتخطاهم ما يلازم غالبا من نشأوا أبناء الأحضان، من سفالة الهمم والإخلاد إلى الأرض. 157/2

كفله عمه الأستاذ، وجده الرجل الصالح الحاج عبد الله، فهما اللذان مالا به إلى العلم، ورجوا منه ومن إخوانه أن يكونوا خير خلف لأبيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت