الصفحة 756 من 9223

لقد صدق زعيم الشرق جمال الدين الأفغاني رحمه الله حين عرض عليه مال يوم نفي من مصر، ليتخذه ذخيرة ليوم ما، فرده على من عرضوه عليه قائلا: أنفقوه في مصالح وطنكم، فإن الأسد لا يعدم فريسة أينما حل، فهذا ما وقع لصاحب الترجمة الذي رأيناه مهتما بالدراسة والخوض في العلوم في هذا الدور، ثم حالت المسغبة بينه وبين ذلك في ( أداي ) ، ففارق المدرسة بقلب مضطرم ولكنه ما كاد يبقى في داره بإلغ حقبة حتى تيسرت المدرسة الإيغشانية، وقد غادرها الأستاذ الساموكني، فحل بها فتطاير إليه تلاميذه، فبقي فيها أربع سنين في اجتهاد وملازمة غريبين، فقد كنت ممن حظي بالمثول بين يديه إذ ذاك في أواسط عام 1329 هـ فكنا بين طلبة كثيرين، ونحن في طبقتنا فوق عشرة من المبتدئين، يلزنا بالتعليم الابتدائي على مألوف الإلغيين لزا، فسار بنا أشواطا فكانت تلك الأسس التي وضعها مني في تلك الأيام، هي الباقية محفوظة عندي، حتى وجدتها كما هي، بعد أن ثاب إلى الرشد، وطاف بي الندم، وقد مضى عني شرخ الشباب ضائعا، وذلك بعد أن فارقناه بنحو عشر سنين.

كنا عنده هناك ونحن نيف وعشرون، أو نناهز ثلاثين بجميع الطبقات، فكان يتعهدنا جميعا، كل يسيره بسيره الذي يليق به.

فآونة بالضغط إن عاين الونى *** وآونة باللطف إن شاهد الجدا

يعامل كلا بالذي كان لائقا *** فيذكو لنا حينا وحينا لنا يندى

كطب نطاسي دري كيف يعتني *** فأبدى من أنواع المهارة ما أبدى

أخذت عنه مع طبقتي سيدي أحمد بن الحسن البنائي، وسيدي محمد بن أحمد الإيغشانيين وآخرين، متون المبتدئين، ونحو نصف الألفية، وبعض الرسالة للقيرواني، ولامية العجم، وحفظنا هذه كلها ما عدا الرسالة على يده، فكان حفظه الله مهتما بنا اهتماما كبيرا، يلقي علينا من المسائل بكل مصادفة فيباحثنا، ولا أزال استحضر أنني ذهبت إليه بالوضوء ظهر يوم فقال لي بالعربية الفصحى: هل كان من مطر؟ وكان اليوم غائما، فقلت نعم، كان من مطر، فقال 161/2

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت