فهرس الكتاب
إن لكل إنسان من أعاظم الرجال وأفذاذ العلماء، ناحية كأنها مقصورة عليه، يستولي عليها ويتمكن من ناصيتها، ويستحوذ على ذروتها العليا، ويكون له فيها القدح المعلي، ويكون في ميدانها هو المجلي الحائز الخصل، فبأي ناحية تفرد أستاذنا هذا بين علماء بلدته يا ترى؟ وبأي ذؤابة توصلت يده فأدارها كيف شاء، ثم لم يتمكن منها أقرانه غاية التمكن؟ إن شيخنا الأستاذ الكبير كما بوأته السعادة في مجد مؤثل، وأصل أصيل، وأسرة عريقة في الفضل وفي بحبوحة نسب كريم، كان فيه معما مخولا، كذلك بوأته في ناحية هي أشرف النواحي التي من استولى عليها فقد استولى على ملاك العلم، ووضع يده على ما تستنبط به الإفهام، وتذكى به القرائح الوقادة، فلئن كان والده الأستاذ مشهورا في ميدان التدريس والتأسيس، والهمم النافذة، وعمه الأستاذ علي بن عبد الله معروفا بوثبات الخيال في الآداب العليا، والترسل المحبر الموشي، 165/2
166/2 فإن أستاذنا مع إلمامه بكل ذلك قد سبقهما في الإمعان في المباحثة إمعانا غريبا فلا تراه في كل المجالس التي تروج فيها تلك المسائل، إلا كرارا جوالا، طلعة بحاثة، لا يفلت مبحثا مر به إلا مد إليه فكره، ولا يعرض ما يعرض إلا أصلاه بحثه الذي لا يعرف إغضاء، ثم لا يطوي غراره إلا بعد استطلاع الحقيقة كما هي، فلا يداجي في ذلك ولا يغمض، ولا يعرف إلا الوصول إلى اللبن الصريح من تحت الرغوة، حتى لقبه الأستاذ علي بن عبد الله عن جدارة ( مفتاح العلوم ) .
نشأ الأستاذ ونشأ معه هذا الفكر الحاد، فكان يكبر وهو يكبر معه، حتى إذا استوى سيدا ضخما، استوى معه فهمه الثاقب، كنصل عضب مسرهف الطرفين، مصقول المتنين، أينما جال في مختلف الفنون لا يلبث أن يأتي بفوائد معجبة باهرة.