فهرس الكتاب
هذه الحكايات كلها حكاها لي الأستاذ شيخي حفظه الله وأنا أسائله عن مجالسهم إذ ذاك، وقد قال لي عنها أنها كلها مملوءة بالمذاكرات دائما وبالمباحثات، قال وكان من عادة خالي الشيخ أن لا يترك المجلس إذا حضره للكلام الفارغ، ولا للتكلم حول أي شيء إلا في المسائل العلمية، وإن خالي الشيخ هو الذي رشحني هذا الترشيح إلى الأبحاث، فيشجعني دائما عليها، وكان يحب أن أكون ممن يسترسلون في ذلك، فكان بمجرد ما يلج دار الأستاذ ابن عبد الله في كل يوم يرسل إلي في الحين، ويأمرني إما بالتلاوة، وإما بمراجعة شيء في كتاب، وكثيرا ما يأتي بالشمع معه في العشايا، فأبقى أنا وهو بعد أن يقوم الأستاذ إلى مضجعه، في التلاوة والمراجعة إلى ما بعد نصف الليل، ثم يتوجه إلى داره، وهو حقا في المباحثات شيخي الذي جرأني وقومني، وسن غراري بمثافناتي التي يملأ بها المجلس كل يوم، قال هكذا كان الحال في عهده، ثم تبدلت هذه الحال في المجالس بعده، ودخلها بعض القيل والقال، حيث لا تروج الأبحاث كثيرا رواجا متصلا، إلا بعض المرات، ثم لما مات الأستاذ ابن عبد الله خوى النجم، وخرت سقوف المباحثات وثلت عروشها، هذا معنى ما قاله لي حفظه الله.
أقول لم يزل أستاذنا إلى الآن في كل مجلس يحضره يثير الأبحاث، ويستطلع خبايا الأفكار، فإنه وإن قال إن المباحث خر سقفها وثل عرشها بعد وفاة عمه، فإنما ذلك في مجلس لم يحضره، وأما متى حضر ووجد من يجاذبه، فديدنه لا يزال اليوم كما كان بالأمس، وأما مجالس الأستاذ ابن عبد الله التي تثج بالأبحاث في كل 168/2
169/2 حين، فقد طويت حقيقة، ثم لا عوض عنها بكل أسف، وكان دائما يرخي العنان في البحث لصاحب الترجمة، ويجب أن يتصدى له من يباحثه، ويقف هو متفرجا من بعيد، فقد انتشبت مرادة بيني وبين شيخي هذا ليلة حول مسألة في حضرة عمه الأستاذ.