الصفحة 773 من 9223

ذلك هو شيخنا سيدي عبد الله بن محمد الذي لا يزال يفيد كل من جالسه ولو ساعة، فقد مضت بيننا في السنة الماضية 1356 هـ مجالس قيمة، فيها أبحاث لطيفة، كتبت بعضها في الجزء الأول من ( الإلغيات ) ولكن أكثرها باق في صفحات قلبي منقوشا.

منها أنه كان يوما يحكي نوادر، فحكى أن أعمى قاده ولده فوصلا جدولا متسعا فقال اقفزن بالنون الخفيفة، فقفز الأب قفزا خفيفا، فإذا به في وسط الجدول، فمال على ابنه بعد خروجه بالضرب، فقال له لِمَ لمْ تأت بنون التوكيد الشديدة التي يحتاج إليها المقام؟ لا قفز قفزة كبيرة، فحين أتم الحكاية، قلت له إن مقتضى النون الشديدة أو الخفيفة أن تؤكد أصل مدلول الفعل الذي هو إيجاده ولابد، فمتى وجد ما يطلق عليه الفعل فقد امتثل المأمور بذلك، وأما النونان فالفرق بينهما في كثرة التوكيد لمن يحتاجه من المخاطبين أو قلته بحسب 171/2

172/2 أمارات الإنكار أو ظنه، فقولنا اضربن واضربن معناهما في إيجاد الفعل واحد، فمتى أوقع الضرب الذي يمكن أن يطلق عليه الفعل إيقاعا محققا، فقد امتثل بلا فرق في المؤكد بالخفيفة أو المشددة، وأما كثرة الفعل أو قلته، فلابد أن أريدت إحداهما من شيء آخر يفيدها خارج هذه العبارة ،قلت له هذا ما كنت أفهمه دائما وما كنت أفهم مدلولا لهذه الحكاية والدليل على ذلك أنك إذا حلفت على إنسان أن يأكل وأكدت الحلف بالنون الشديدة، فصدر منه ما يطلق عليه أكل ما فقد بررت، وإن كان ذلك الأكل قليلا جدا، إن لم يقتض البساط أو العرف أكلا كثيرا، ثم لا فرق في بره أن أكد بالشديدة أو بالخفيفة، فناقشني في ذلك، فقلت له تراجعون المسألة، ولكنهم بعد مراجعتها لم يحرروها، وأنا الآن في هذا المنتأى ليس لدي ما أراجع فيه من كتب، فبقيت المسألة بغير تحرير وإن كانت أنا لا أكاد أرتاب أدنى ارتياب في الذي ذكرته ( كتبت هذا يوم منعت في المنفى بأن اتصل بأي إنسان ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت