فهرس الكتاب
أحفظ قصائد اختارها وقطعا أستجيدها، خصوصا من أقوال بعض أدباء شعراء أدركتهم في بلادنا، وقد أجتمع كثيرون منهم بـ ( تارودانت ) في عهد الخليفة سيدي محمد بن إسماعيل رحمه الله، وكان لهذا الخليفة للأدب وأهله لهج غريب وولع عجيب، فوجدتني إذ ذاك فارغ البال، ولم يكن لي عيال، وبيدي مال وفير، وعندي دخل كثير، و ( تارودانت ) إذ ذاك لم تزل في حفظ السعد، لم يرمقها الدهر بنحسه بعد، فكان جل الأدباء الغرباء ممن لي بهم اتصال، فأقوم بمئونة بعضهم عندي، فكانوا كلما فارقوا الخليفة جلسوا في بيتي، فيحكون لي ما كانوا فيه من مساجلات ومحاورات، فكنت أقيد بعض ما يذكرون فأحفظه، وكان من بين من يلزم بيتي الأديب الفقيه سيدي محمد بن عبد الله الزدوتي، والأديب الفقيه سيدي إبراهيم بن محمد السكتاني، والفقيه الأديب سيدي محمد بن الحسن الهلالي - الإيلالني - والأديب الفقيه سيدي محمد بن أحمد الرسموكي الذي كان والده أيضًا سيدي أحمد بن محمد أديبا كبيرا في عصره، له في السلطان سيدي علي بن محمد، من أولاد القطب ( سيدي أحمد بن موسى ) قصائد، فهؤلاء الأدباء الأربعة من كنت معهم ممتزجا امتزاج الماء بالراح، ومتشاركين في ذوقنا في الأدب اشتراك الأصابع في الراح، وربما كان غيرهم ولكن هؤلاء صفوة تلك الحلبة في ( سوس ) وغيرهم إنما يأتي من شعره بقول غير مانوس، فنفعني الله بهم، وارتضعت من مجالسهم، وحفظت من أقوالهم، فلذلك عرف سيدي محمد الكنسوسي بي أهل ( فاس ) فأنشدهم ما يحضرني من أقوال هؤلاء، وما أحفظه في الحقيقة قليل، في جنب ما كانوا يقولونه، فكان الفاسيون يتعجبون من أهل كلام الشلحة، يترقى أحدهم في الفصاحة العربية ذلك الترقي، ويمكن له من رطانته ولهجته التي تربى بها التوقى، فأكدوا على أن أجمع لهم ما لدي من أقول هؤلاء الأدباء الذين عرفتهم، فقلت لهم: أما ما أحفظه فإني كفيل بجمعه إملاء لكم، وأما ما سواه مما قيدته ولم أحفظه، فقد ذهب بين كتبي