فهرس الكتاب
بل أنا من يسلم تسليم الأعمى، ولا أقول: له، فقال: أهكذا تكون دار الكراء تبن وماء وفراش، فقلت له: إن كل مكان بحسبه، فكراء هذه الدار بهذه الكيفية مقدر بما تحتوي عليه، ألم تعلم أن فنادق النصارى في بلادهم لا بد من فراش بيوتها ؟ فهبني قلدتهم، أفيحل أن لا آخذ كراء أشيائي ؟ وأن بقصيدة مليحة، فقال الهلالي - الإيلالني - أو بعصيدة مملحة، فقلت ( كيلهما وتمرا ) فهكذا تضاحكنا مليًا، ثم رحبت بهم، وأعلمتهم بأنهم أضيافي إلى أن ينقضي رمضان ((1) ) وأنه لا كلفة عليَّ في ذلك، وأعلمتهم بيساري، وأنني وحيد في الدار، مع خادم عجوز، هذا هو السبب حتى ترافقت مع الثلاثة، ثم بعد أيام جاء سيدي محمد الهلالي - الإيلالني - يومًا متأخرا عن صاحبيه فقال: إن أديبا جديدا نزل بالمدينة، فما رأيكم في ضمه لنا، فقال له الزدوتي ويحك ضيف ويقترح ؟ فهل نحن في ديارنا حتى نضيف، أو نقود إليها ضيافن، فيصدق علينا قول الشاعر:
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن *** فيأكل ما نقري الضيوف الضيافن )
فقال الهلالي - الإيلالني:
إن درب الدار كان يقول من أول يوم: إن الدار دارنا، فبذلك الشرط نزلنا عنده مجانًا، وهل يسهل أن يجد مثلنا مجانا ؟ وقد اشترط على نفسه ( والشرط املك ) فقلت لهما، إن كانت محاجاتكما ترويحا للنفوس فلا بأس، وإلا فمن رماني بأنني أشنأ أدبيا، خصوصا إن كان أريحيا مثلكم فقد بهتني ورماني بعظيمة، ثم قلت للهلالي - الإيلالني - أين الرجل: فقال تركته عند فلان في السوق، فبادرت بنفسي فوجدت طلعة بهية، ولبسة سنية، وشيبة 289/18
(1) سمعت اليوم أن بعض المعلمين في المدارس المحدثة في القرى السوسية ينزل أحدهم طوال السنة على بعض الموسرين، ثم لا يرضى أن يأخذ منه شيئًا وما أشبه الليلة بالبارحة.