فهرس الكتاب
290/18 منورة، فسلمت عليه فقلت له: أجب صاحبك الفقيه سيدي محمدا الهلالي - الإيلالني - فقال: على السمع والطاعة، فوقف فسار يسأل عن أثمان ما يعلق أمام الدكاكين، كأنه ما شاهد قط مدينة، فقلت له: سوف ترى ذلك حتى تمل منه، فقال: إن وجود الأشياء أمام أعينكم يا أبناء المدن هو الذي أزال بهجتها من عيونكم، وأما نحن فإن ذلك يزداد عندنا حسنا على حسن كلما نظرنا إليه، فلا يحصل له منا ملل، ثم أنشد:
يزيدك وجهه حسنا *** إذا ما زدته نظرا
ولم أكن سمعت بالبيت قبل الساعة، فاستعدته منه فحفظته، فسألته عن قائله، فقال: الحسن بن هانئ أبو نواس، صاحب الكأس والطاس، بهذه العبارة، ثم تفجر يحكي لي عن غرائب أبي نواس، وقد رأى مني حسن الاستماع، وأدرك أنني محب للأدب، فما وصلنا الدار حتى سمعت مقطعات، وكان ذا ذاكرة وحافظة، فدخلنا فارتج الجلس بوروده، فقابله الهلالي بقوله:
من أين أقبلت يا من لا شبيه له *** ومن هو الشمس والدنيا له فلك ؟
فأجابه منشدًا
منزل يعجب النساك خلوته *** وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا
ثم قال لهم إن هذا الرسول قد استنزفني في الطريق، فلم يزل بي إنشادا حتى قطع أبهري ((1) ) فقال له الهلالي: إن هذا السيد لقبناه بالحارث بن همام. ؟ وكان ينقصنا أبو زيد، وحين جئت فأنت أبو زيد، فقال: إنني قابل، وستتمشى عليكم حيلي وحيله فارتقبونا، وبعد مباسطة علم الضيف الجديد أنني رب الدار، وأنني أنزلت القوم من غير سابق معرفة وإنني محب للأدب، أخبروه بذلك في غيبتي، فملك ذلك عليه مشاعره، فقال قد حسبنا الأريحية قد وأدها هنا هذا الدهر الجهول، وإن الكرم صار رابع ( المستحيلات ) فجاء هذا المدني بهما معا في قرن، هذا ما زعم، والله يتقبل العمل، ويجعله لوجهه، هذا السبب لمعرفتي بالرابع ( سيدي محمد بن أحمد بن محمد الرسموكي ) .
(1) الأبهر بفتح الهاء: عرق في الظهر.