الصفحة 8056 من 9223

( فلنرجع العنان ) إلى ذكر ما يدور بيننا إلى أن فرقتنا حوادث الأيام، غدا الثلاثة الأولون في اليوم الثاني إلى باب الخليفة، وهم لا يقصدون إلا أن يحضروا في ضمن العلماء الذين قدموا من كل جهة، باستقدام الخليفة 290/18

291/18 وبغيره، لأن مجلسه يدعى إليه الجفلى ((1) ) وما منعني أن أنتظم في أهله إلا كراهة التقيد بأوامر من فوقي ونواهيه، وقف الثلاثة عند الحاجبق، فأخبر بهم الخليفة، فمثلوا بين يديه، وسلموا عليه، وسألهم عمن قرأوا، فوجدهم قد قرأوا كلهم في أواخر قراءتهم بـ ( فاس ) وقد ألقى عليهم مسألة لغوية في التصريف، وهي وزن ( مرايا ) وأصل الكلمة، فمرقوا في ذلك بسرعة ثم سألهم عن الأدب، ولم يكد يعهد من كثيرين، من فقهاء ( سوس ) أدبا عاليا فبغته من هؤلاء الثلاثة ما عجب منه، فقد وجدهم حفظوا كلهم المقامات، وحفظوا قصائد للمتنبي والبحتري وأبي تمام وجرير والفرزدق والأخطل وأبي فراس وبشار ومسلم بن الوليد فضلا عن المعلقات، وقد استحضروا كثيرًا من حماسة أبي تمام، ومن الحماسة المغربية ((2) ) مع معرفتهم للتاريخ، وكان أول ما سألهم عنه - كما أخبروني - أن قال لهم: من قائل هذا البيت ؟.

إن الأسود أسود الغاب همتها *** يوم الكريهة في المسلوب لا السلب

فقالوا متبادرين مبتسمين من سؤاله عن ضروري: إن قائله أبو تمام ( حبيب بن أوس ) الطائي، ومطلع القصيدة:

السيف أصدق أنباء من للكتب *** في حده الحد بين الجد واللعب

(1) الجفلى بمحركات، وهي الدعوة العامة، واللفظة تقال بالجيم والحاء.

(2) هذا من أغرب ما يسمع، لأننا لم نر قط رواجا للكتاب من عهد مؤلفه، ولابن خلدون الصغير حوله مقال، وتوجد اليوم منه نسخة مصورة عند الأخ العلامة عبد الله كنون، وقد وقفنا على كتب أدبية كنفح الطيب في خزائن السوسيين من أهل ذلك القرن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت