فهرس الكتاب
قالوا: فسكتنا لأننا لم نسمع بالبيت قبل ذلك الوقت، ينظر بعضنا إلى بعض، ثم قال السكتاني، يا مولانا لنا الفضل في أن يكون هذا أول ما نستفيده من حضرتك العالية، فإننا لسنا بمكاثرين ولا بمفاخرين، فما علمنا فبفضل سيدنا السابق إلينا قبل المثول بين يديه، وما جهلناه وهو كثر من قل، فلنا الفخر العظيم في أن نكون فيه تلاميذ لسيدنا، فقال: لله دركم فإنني عمدت إلى ما ليس للشعراء المشاهير، ومن دلالة تمام عقل الرجل في علمه أنه لا يتبجح بما لا يعلمه، وأن لا يستنكف عن قوله لا أدري فيما لا يدري، ثم قال: إن البيت لابن سلول، وهو شاعر مقل في التابعين، وقبل البيت:
إذا انتصبوا للقول قالوا فأحسنوا *** ولكن حسن القول خالفه الفعل
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها *** أفاويق حتى ما يدر لها ثعل
ثم قال: إنني بكم مبتهج كثيرًا، فقد ساءني من كثير من علماء هذه البلاد أنهم لا يستحضرون التاريخ والأدب كما هو مع أن لهم يدا طولى في اللغة، وما الأدب إلا ابن اللغة إن صادفت فطنة سليمة، وقريحة سيالة، ثم قال لهم: كيف نسجكم في الشعر ؟ فقال السكتاني: إننا يا سيدي في ذلك كما قال بعض من قبلنا: ما يعجبنا منه لا يأتينا، وما يأتينا لا يعجبنا وما واحد منا إلا كان له ذلك بعض الشيء، ثم أطرق الخليفة لحظة، ثم رفع رأسه وقال: أجيزوا هنا البيت متتابعين، يبني كل واحد على ما قبله.
خلياني سبق السيف العدل *** حشو أذني صمم عمن عذل 292/18
ففكروا كلهم فإذا بالسكتاني - وكان أبده الجماعة - قال:
قضى الأمر فأصبحت لقى *** بلحاظ لا ببيض وأسل
فكاد الخليفة يهتك وقاره استحسانا للبيت، وبعد لحظة قال الزدوتي:
من يكن يشكو جراحات الظبا *** فأنا أشكو جراحات المقل
فأنتفض الخليفة فلم يملك أن يمد إليه يده بالمصافحة، فأهوى إليها الزدوتي مقبلا، فقال له: ما أعجب من تكنهم جبال ( سوس ) من بلغاء عظام، ثم انتظر ما يقوله الآخر، فبعد لحظة قال الهلالي: