فهرس الكتاب
فليزرني ليرى كيف الهوى *** من يرى أن الهوى - آمر جل
فقال الخليفة: لا فض فوك أيها الأخير، فقد كنت أحسبك تتأخر عن حلبتك، فإذا بك بينها بلا تقدم ولا تأخر، ثم قال لهم: ها أنتم جئتم إلي ولا بد لكل قادم من تحفة، وتحفة الأديب قصيدة يقدمها أمامه فهل صنعتم شيئًا ؟ فقالوا، لم نصنع شيئًا، لأننا ما كنا نحسبك - يا مولانا - في مثل هذا المقام العالي في الأدب، وقد كنا نعهد إلى ( سوس ) من لايرفعون للأدب رأسا، أو يسوون فيه بين الشعرور والشاعر، ولذلك طلقنا الأدب في مجامع الفقهاء، وانخرطنا في المفتين والعدول، ولم نقدم على حضرة سيدنا إلا بصفة فقهاء، ولكن حين بدا لنا ما بدا، فليبلعنا سيدنا الريق ثم نقدم ما تيسر غدا أو بعد غد، وكان الذي يتولى الكلام هو السكتاني لأنه أسن القوم، وأجرأهم وأشجعهم، وأكثرهم مخالطة للعمال، ثم قال لهم: إننا سنوصي على منزل يفرغ لكم تنزلون فيه ومؤونتكم تأتيكم في كل وقت، مع لزومكم للباب، ولمجالس البخاري دائمًا.
ثم أفرغ على كل واحد كسوة تامة، أمرهم أن يلبسوها ثم يرجعون إليه، قال السكتاني فخامرني حياء عظيم من هذا الاعتناء، فقلت في نفسي لا بد من بيتين فذين الآن أرتجلهما - وأنا ألبس الكسوة - أقدمهما له فكان هذا ما سنح:
ما الموج في أزبادها، ما السحب في *** أمطارها، ما الريح في أعصارها
أندى ولا أسخى بما ضمته من *** راحات مولانا لدى إيثارها
فأنشدتهما له، فقال: هل هذا ابن ساعته ؟ فقلت نعم يا مولانا نفحة من نفحات الحلة العطرة، فتناول كناشه فكتبهما بيده، ثم أومأ إلينا الحاجب الواقف مع العبيد، فخرجنا، ثم تبعنا عبد، فقال: إن الخليفة أمرني بتهيئة دار لكم، فقلنا له إننا نزلنا عند إنسان لا نبغ به بديلا، فإن احتجنا إلى دار بعد أعلمنا مولانا بذلك. 293/18