الصفحة 8060 من 9223

هذا ما حكوه لي حين رجعوا يختالون في حللهم، وقد شاع بسرعة أن الخليفة اعتنى بهم ما لم يعتن بغيرهم، فهاداهم الناس بطرف، وأنزلوهم مقاما عليا، ثم صارت المؤونة الطعامية ترد في كل وقت فلم يحتج بعد إلى الطبخ، فضاحكني الهلالي، فقال: لقد أصبحت في الحقيقة ضيفنا، بعد ما كنت ضيفا مجازا فيما زعمته أول وهلة، فقلت له: ( نية المرء أبلغ من عمله ) ثم انفرد كل واحد منهم بعد صلاة التراويح تلك الليلة، لنسج قصيدة وقد تواصوا على الإجادة، وعدم مجاوزة القصيدة خمسة وعشرين بيتا لآن الإكثار قلما تجئ معه الإجادة، كما تواصوا أيضًا أن لا يجعلوا في القصائد نسيبا، وأن تكون كلها مديحا، فقمت أنا إلى مضجعي، وعند السحور صار كل واحد يلقي علينا ما صنع، وبعضهم ينتقد بعضا، فيتجادلون إلى أن يتفقوا على ما يتركون عليه المنتقد أخيرا، لأنهم يعرفون أن الخليفة ناقد بصير فكان ما قاله السكتاني ما نصه:

( ردانة ) في بشر وحق لها البشر *** ففي الأفق من عليائها أشرق البدر

يهنئ بعض الناس بعضهم به. *** وترقص بالأفراح في خدرها البكر

فحتى الجمادات انتشت بوروده *** كأن قد غدا من بين أشخاصها فكر

فهذي الرياض المونقات تمايلت *** بمقدم مولانا خمائلها الخضر

وتلك الجبال الشامخات وهذه الـ *** ـبسائط قد هنا مساهلها الوعر

قد ارتج سوس كله يوم أقبلت *** كتائبه يقتادها العز والنصر

فمن تلقه يبدهنك يقطر وجهه *** سرورا يقول اليوم حق لنا الفخر

حظينا بخير الناس علما وحكمة *** ورأيا سديدا حين يشتبه الأمر

وأفضل أولاد الإمام ومن غدا *** يتيمتهم في عقدهم وهم الدر

وأفضل خريت العلوم وكل ما *** يسوده في ظهر مهرقة الحبر

وأفضل سواس درى كيف يلتقي *** غزال مع الضرغام لم يعره ذعر

وأفضل من غطى الذنوب بحلمه *** كأن لم يكن ذنب كأن لم يكن ستر

وأفضل مقدام إذا اشتجر القنا *** وماج بحر الحرب جحفله المجر

به يتقى في معمعان الوطيس إن *** تمعرت الشجعان وانقصف الصبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت