فهرس الكتاب
وعند انزوال اختتم المجلس، فأشار إلينا الخليفة: هل قلتم شيئًا من الشعر ؟ فقلنا نعم، فناولناه الكواغد التي كتبناها، فحين تأمل خطها قليلًا، ردها، وقال: ليسرد كل واحد قصيدته قائما، قال السكتاني: فسبقت أنا، فحين وصلت هذا البيت:
حظينا بخير الناس علما وحكمة *** ورأيًا سديدًا حين يشتبه الأمر
تهلل وجهه، فالتفت إلى من في يمينه من علماء ( مكناسة ) مبتسما، وحين وصلت الأبيات التي فيها وصف ثباته في الحرب، رأيته تحرك فوق سريره، وتحمل كثيرًا حتى لا يخرج عن وقاره بين العلماء المسنين الذين في المجلس من السوسيين، كسيدي محمد السملالي، هذا ما ظهر، وإلا فربما يفعل ما فعله أمس ((1) )، وحين ختمتها قال: لله درك من عربي مبين، وإن كان من الشلحيين البرابرة، ثم قام الزدوتي فأبدأ وأعاد بحلقه الرقيق، فلما وصل قوله:
فجاذبنا الآداب يسبر غورنا *** وأين من السادات معرفة العبد ؟
رأيناه مطرقا، كأنه تواضع لله، لما جعل سيدا، وغيره عبدا، ولما وصل قوله:
كأن جميع الشعر تحت عيونه *** فيترك عن قصد، وينشد عن قصد
التفت الخليفة إلى المكناسيين مبتسما، ولما وصل إلى قوله:
فكل أمانينا رضاك فأهله *** يحلون في الفردوس أو جنة الخلد
قال: نطلب جميعا رضي الله الأكبر، ثم قال للزدوتي: أبيتم أيها السوسيون الكرام إلا التواضع، وذلك من مكارم الأخلاق، ثم قال الهلالي: فبمجرد الافتتاح، تبسم الخليفة فصار يكرر الأنظار إلى الكناسيين مرارًا، إلى أن تمت القصيدة، فقال جزيتم خيرا، وما أنا إلا واحد من العلماء، وأرجو الله أن أحشر بينهم، ثم أعلنا الدعاء، فخرجنا، فلحق بنا الحاجب، فمال بنا نحن الثلاثة إلى ( الدويرة ) فقال: توضأوا وصلوا، فبعد حين جاءنا الخليفة مع بعض المكناسيين، فسمعناه يقول له عند الدخول: إنني ما فرحت 298/18
(1) يعني من مد يده للمصافحه، كما مرَّ قريبا.