فهرس الكتاب
302/18 نقصها يا سيدنا شيء فزده لها، فقال: فأغضيت، قال السكتاني ثم أذن العصر فذهب هو إلى مسجده وفي الحين جاءنا حاجبه فقال: يقول لكم الخليفة: ليكتب كل واحد منكم حاجته، فطلبنا منه أولًا التحرير لقرأنا، كل واحد لقريته، ثم نفذ لهم حبوبا ودارهم وظهائر التحرير، كل ذلك قبل أن يخرجوا من عنده، ولم يجيئوا إلا بعد العصر بكثير، هذا ما وقع لهم مع الخليفة أولًا، ثم صاروا يحضرون كل نهار، إلى أن وصلت أيام العيد فطلب منه بعض الفقهاء أن يعيدوا في بلادهم، فلم يسرح أحدا حتى مضى العيد، فأخرج لهم جميعا الكسوة والصلة، وودعهم ومن بينهم أصحابنا هؤلاء، وقد أنسيت أن أذكر ما وقع لسيدي محمد ((1) ) بن أحمد الرسموكي مع الخليفة حين جاء، فإن السكتاني ذكره له، وقال له: إن هنا أدبيًا كبيرًا، وأبوه أيضًا أديب كبير، فوصله به بعد استراحته فامتحنه أيضًا فوجده فائقا على القدر، حافظا لأشعار العرب، ويظهر لي أنه أحفظ من الآخرين، لأن والده الأديب اعتنى به كثيرًا، ولا أستحضر الآن لطول العهد كيف امتحنه الخليفة، إلا أنني أستحضر هذه المساجلة بينهما، وهي في منزل للخليفة يجلس فيه، ويشرف على بستان، فيه أشجار حولها كوم رمل، قال له أجز:
اختيال الغصون في الأحقاف *** كاختيال القدود في الأرداف
فقال: فأعجب به الخليفة لأنه أجاب بديهة، من غير تأمل، ثم أشار الخليفة إلى أغصان وقد مالت نحو أزهار، فقال: بانيا على ما تقدم.
مائلات إلى الزهور كماما.
فسكت الخليفة في نصف الكلمة، فقال الرسموكي:
لت قدود الحسان عند اقتطاف.
فلم يملك الخليفة أن قال لمكناسي من أهله: هكذا تكون القرائح والأفكار المتقدة، ثم أراد أن يستزيد في سرعة فكرته وضوحا، فقال له أجز: وهو يشير إلى حصاد بمنجل في السنبل يضربه فيبدده عمدا ليلتقطه كبش معه:
فكأن منجله إذا ما بددا.
قال الرسموكي بديهة: سيف الخليفة حين يفتك بالعدا.
ثم قال الخليفة:
(1) هوالذي نحو في ترجمته.