الصفحة 8072 من 9223

فيما استحضره حين زاروه المرة الثانية، مضت شهور نحو ثلاثة، فجاءني يومًا عون عند الخليفة، يسأل عن الفقهاء أصحابي، وهل رأيت أحدهم منذ رمضان ؟ فقلت له: لا، إلا أن أخبارهم ورسائلهم ترد على هذا ما كان، فرجعت، وبعد أيام تواردوا إلى ( تارودانت ) وقد أرسل إليهم الخليفة أعوانه، فنزلوا عليه، ولم يرد السابقون أن يسلموا على الخليفة، حتى يجتمعوا أربعتهم فاتفق أن أشتغل الخليفة عنهم أياما، بقضاء أغراض مهمة للسلطان، فحين جاءوا قلت لهم أين تحف الأدباء ؟ فقالوا أو قال أحدهم: أتحسبنا بلداء، نهيئ القصائد من ديارنا، كأنك لا تعرف 303/18

304/18 أن الأدب والشعر عندنا كالعلم عند الشافعي، وأنت حضري أديب، ممن يغدو ويمسى إلى الحمامات، ويخرج العراقيب، فإن رأيتم أحدنا نحن الباديين في بداوته وتقشفها، تضحكون عليه ورحم الله من قال في نصرتنا:

أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها *** مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب

ولا خرجن من الحمام مائلة *** أوراكهن صقيلات العراقيب

فقلت له: إن الصدق أفضل ما يعتام، إنني لا أعرف معنى العلم عند الشافعي، فقال: قل: ( باع ) أفدك ذلك فقلت له: ( باع باع باع ) ثلاثا ((1) ) أفدني فأنشد:

علمي معي حيثما يممت يتبعني *** صدري وعاء له لا بطن صندوق

إن كنت في البيت كان العلم فيه معي *** أو كنت في السوق كان العلم في السوق

(1) بتشديد العين، كا هو صوت الكبش كلمة شلحية يقولها العاجز ليسلم لصاحبه ويظهر عجزه، ولا يزال ذلك إلى الآن وبعبع له سلم له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت