فهرس الكتاب
305/18 بل حيث جعلت نفسك الحارث بن همام تريد أن تكون من ( نظارة الحرب، لا من أرباب الطعن والضرب ) ((1) ) فقلت له: أو لستم شعراء ولكم الغاوون ؟ فانا من الغاوين، فيا لذكريات تلك المجالس كلها التي تمر هكذا محاورات لطيفة، تتخللها فوائد، ثم إنني في عشية النهار قلت للهلال أنني أقترح عليك أن تكتب أنت بين أصحابك ( مقامة ) تضمنها ما كنت تضمنه قصيدتك فإن ضممت إليها القصيدة فيا حبذا، فقال: إنني أخاف أن لاتحفظ ( المقامة ) وقد رأيتك إنما تعتني بالشعر لا بالنثر، فقلت له إن الرسموكي كفيل بي أن أحفظ كل ما قلته حتى يكون كالماء، قال الرسموكي إنني به كفيل على شرط أن لا تطول، وإلا فأخاف أن لا يفي مكفولي فأحتاج أنا إلى الأداء، وأنا اليوم شيخ أشيب ((2) ) يصعب عليَّ الحفظ، بعد ما كان والدي رحمه الله جشمني من ذلك في الصغر، ما عفته به في الكبر، إلا ما جاء عفوا، فقال الهلالي: إنني إذن فاعل، فقلت له: قم الآن، فقال: إنك لجوج، فقلت إنني غريمك وأنت مديني وغني ( ومطل الغني ظلم ) فقال له الرسموكي: أنت الذي تحرشت به كثيرًا والآن لا بد أن تقوم وتترك هذه القهوة، وكانت بينهم قهوة ((3) ) مطبوخة، فلم
(1) جملة من المقامات الحريرية.
(2) يظهر من كون المترجم أدركه الشيب 1112هـ أنه يولد قبل 1060 ويؤيد ذلك أنه لازم والده كثيرًا حتى مهر في الأدب، وأبوه توفي 1080هـ.
(3) من أمثال هذه الكلمات التي تأتي عفوا تعرف الاجتماعيات، وقد كانت القهوة انتشرت في العالم بسبب سفراء الترك، فها أنت ذا رأيت انها وصلت المغرب، واتخذ الاجتماع حول شربها عادة سنة 1112هـ، وأما الاجتماع على الأتاي فلم يكن في المغرب إلا بعد أوائل القرن الثالث عشر، وإن كان بعضهم ينسب ابتداء شرب الأتاي إلى زمن مولاي إسماعيل، وهو هذا الوقت، ولكن ذلك على تقدير ثبوته ليس شائعًا عند العموم، وقد مر في رحلة ابن العربي الأدوزي في الجزء الخامس كلام حول الأتاي.