فهرس الكتاب
318/18 يقبلها الفاسيون وغيرهم، لأن شأن هذا الخليفة في الأدب والعلم، قد أجمع الناس عليه طرا، وقد كان مذكورا بذلك في كل مجمع، حتى صار مثلا سائرا في معرفة الشعر وانتقاده، ولم يكسف ذلك إلا ما انتشب فيه حتى قتل، فخاف الناس، فصار الحديث عنه بتورية، ما شاء الله، ثم صار ذلك ينسى شيئًا فشيئًا، والرجل بين إخوته غريب في الدين والعلم والأدب والكرم، ومخالفة الناس، وكان أهلا للإمارة، غير أنه أسرع إليها قبل إبانها. (ومن استعجل شيئًا قبل أوانه حرمه في إبانه) (وكان أمر الله قدرا مقدورا) وقد ورد علينا كثيرون من إخوته، وغالبهم ذو علم، ولكن أين الثرى من الثريا ؟ وهذا خليفتنا الأخير سيدي عبد الملك مع حزمه وعلمه وأدبه، دون ذلك العلامة المحبوب بكثير، والله مقسم الحظوظ، ثم في يوم الخميس المقبل أقام لنا الرسموكي النزهة، ولولا المبالغة في المباسطة لما لاق بأدب الضيافة ذلك، ولكن كيس الأدباء واحد كما يقولون، ثم كانت هناك مساجلة لا بد من ذكرها، وقد ضلت عني منها أبيات، ولكن أذكر ما استحضرته، وذلك أننا بعد ما أكلنا ما وجد دارت كؤوس القهوة فقال الرسموكي وكان خفيف الروح إلى الغاية، كثير الدعابة، ولولا خلقه الصحيح، ومحافظته على صلاته، وتباعده عن المخازي ((1) ) لقلت إنه ( أبو نواس ) فإنه كله لطف على لطف، قال لأصحابه: إنني منذ وصفت أولئك الحراطين السود المناحيس المناكيد بذلك البيت الذي اقتضته الضرورة في تلك المساجلة، وهو:
ولكنما الفرسان ما فيهم سوى *** أبي المسك عاليه من الباس ساطع
لم تزل حزازة في نفسي كمثل الحزازة التي لا بد أن تكون في نفس المتنبي حين يقول:
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه *** وان لم أشأ تملى علي فأكتب
ويقول:
أتتنا به إنسان عين زمانه *** وخلت بياضا بعده وأماقيا )
(1) هذه هي أوصاف أديبنا داود من أهله، حفظه خلق صحيح، ومحافظة على الصلاة وتباعد عن المخازي، وسترى ذلك قريبا في ترجمته.