فهرس الكتاب
)لكنني أنا أتعجب حين وجدتني كهلا هوانا يافعا، وهمتي همتي تدفقا وتدافعا، لا أزال أتطاول إلى هامة الثريا، ولا أكاد أجد كلما وردت منهلا ريا، حتى عرفت في الآفاق، بعلم هذه الهمة الخفاق وحتى صرت مثلا في الحرص على الاستفادة مضروبا، أخرق إليها تنائف ودروبا ((1) )، فبينما أنا يومًا أنزل بفندق رحيب في ربيع خصيب، في ( مكناسة الزيتون ) ذات السيف المسنون والعيش الرغد المضمون، من مجاورة الملك المصون، خرجت أجول في أزقتها، وجيوش السلطان تموج فيها تحت أسنتها، وهي مكتظة بخيوله المطهمة التي تترنح في أعنتها، فدفعت إلى جماعة أنيقة فوق شرف، وعلى حميا كل واحد منهم سيمى الشرف، فتوسمت أنهم أدباء، مما لمحته منهم من الأريحية الممزوجة بالآباء، فحملتني رغبة مثافنتهم النافعة كما أحسب، أن أعرج عليهم بالتسليم لعلني بسبب حبلها أحتطب: فإذا الحسبان، جاء بما فوق الحسبان ((2) ) فسرعان ما ارتفع التكليف بيننا كما هي العادة التي كانت بين الأدباء دائمًا ديدنا، فانتسبوا وانتسبت، فخلبوني بلطفهم كما أنني أيضًا خلبت، فقال أحدهم: لا شك أن طالع هذا الوقت سعيد، إذ جمع بين القريب والبعيد، اجتماعا لذيذا كأنه صباح العيد، فقلت: كيف الأدب اليوم قد ذوى قضيبه، وصوح خصيبه، بعد ما كان في سعد السعود، ذا ترق وصعود، فسألته عن السبب، مع أن ذلك من العجب، لأن الدواعي توفرت كلها، وغيوث البواعث ألث وبلها ((3) ) وهذه المدينة اليوم قطب المغرب وإليها كل ما له ينسرب، والأدب من مكملات الترف، ومدعمات مراتب الشرف، فقالوا: إن كل ما قلت صدقت فيه، مما يجول حول الملك وذويه، ولكن الثروة وحدها غير كافية، إن لم تكن معها أريحية طافية، وقد كان لملكنا السعيد ولد هو وحده الأريحي 326/18
(1) التنوفة: الصحراء.
(2) الحسبان بالكسر: الظن، وبالضم: من الحساب.
(3) ألث المطر إلثاثا: انهمر بكثرة.