الصفحة 8099 من 9223

327/18 الأديب الطامح، القادر قدر بنات الفرائح، فكانت هذه المدينة به ( بغداد ) الثانية، أو كمدن الأندلس القائمة بالآداب العالية، فكنا نجول به بين ( الكرخ والرصافة ) وحول نهر ( إشبيلية ) متتابعين ضفافه، حتى غيض الدهر من تصافينا، فعرضنا تلك المواصلات بيننا بتجافينا ((1) )، فأصبح ابن السلطان عنا راحلا، إلى مكان يكون فيه في أردية أريحيته رافلا، فاكتست ( مكناسة ) بعده ثياب الحداد، حتى صارت بعده صالدة الزناد ((2) )، فنحن هؤلاء الأدباء وأمثالنا إثر رحيله أضيع من يتيم في سماط، وأفرغ من حجام ساباط، تتناكر المحافل، ولا يتأتى لنا من هو بعد ذلك الراحل بنا حافل، فلا تسأل عن جدب الجيوب، وتوالي الكروب، فلولا بقايا من كرم ذلك العصر الماضي، لأتت على أعناقنا المواضي فقلت له: ويحك، أي أبناء السلطان تعني ؟ فإنهم في أرجاء المغرب كثيرون، فإنهم في ( وجدة ) و ( مراكش ) و ( سجلماسة ) و تارودانت متفرقون، فقال: إن من ختمت به هو يتيمتهم الوسطى، وشرفه على شرفهم كلهم قد غطى، فلو كان فاقهم بخصلة واحدة لربما يقال: أنهم لمجده مقاربون، وأنهم أن جد جدهم ربما يرون يومًا وهم في مطلعة طالعون ولكنه بحر علما على اختلاف فنونه، ودهر صئولا بحد مسنونه، وغيث كرمًا إذا أتى عفو جوده، وسيل طافح إيثارا إن قصد أن يفرغ إلى إنسان كل موجودة، فقلت له وأنا لا يهمني إلا العلم والأدب، لا الصولة ولا الجود بالنشب، بين لي رحمك الله ما هي منزلة الرجل في علومه الجمة، وأجمل ذلك مع تبيين في ضمن جملة، فقال: إن النحو واللغة وفنون العربية على أنواعها، والفقه والتفسير والحديث على اختلاف فنونها مع التئامها تحت ذلك واجتماعها، والأدب

(1) من قول ابن زيدون في نونيته:

* غيض العدا من تساقينا الهوى فدعوا * بأن نغص فقال الدهر آمينا *

وأولها:

* أضحى التنائي من بديلا من تدانينا * وناب عن طيب لقيانا تجافينا *

(2) صلد الزند: إذا لم ير بعد قدحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت