الصفحة 8135 من 9223

ثم اعلم أيها المنتقد، أن انتقادك منقود، واعتراضك عليك مردود، وأن هذا الذي لم يقبله فهمك السقيم، وذوقك الغير السليم، نتعمده ونطرز به قصائدنا كغيرنا ممن تقدم من فحول الشعراء الحاملين راية الأدب على رؤوس الأشهاد في كل حين، قال الدماميني عند قول الخزرجي ( وتضمينها أحواج معنى لذا وذا ) ما نصه وكلام الناظم منتقد من جهة شمول تفسيره التضمين بما ليس منه، وذلك لأن أول البيت إذا كان مفتقرا إلى أول البيت الثاني فليس بتضمين، نص عليه أبو العباس وسماه تعليقا معنويا، ووجه بأن القافية محل الوقف والاستراحة، فإذا كانت 353/18

354/18 مفتقرة إلى ما بعدها، لم يصح الوقف عليها، أما إذا سلمت القافية من الافتقار فلا عيب، لانتفاء هذا المحذور كقوله:

وما وجد أعرابية قذفت بها *** صروف النوى من حيث لم تك ظنت

تمنت أحاليب الرعاء وخيمة *** بجد فلم يقدر لها ما تمنت

إذا ذكرت ماء الفضاء وطيبة *** وريح الصبا من نحو نجد أرنت

بأكثر من لوعة غير أنني *** أطأمن أحشاءي على ما أجنت

قال ومثله كثير، وربما عد بعض أهل البيان مثل هذا من فن البديع وسماه بالتفريغ، انتهى كلام الدماميني، وقول ناظم الأبيات ( بأكثر مني ) هو خبر ( ما ) من أول الأبيات، وقال ( ابن زاكور ) في شرح ( قلائد العقيان ) للفتح بن خافان ما نصه: والتضمين المعيب عندهم خصوص تضمين القافية وهي الكلمة الأخيرة من البيت، كأن يكون فعلا والفاعل في البيت الذي يليه، أو مبتدأ والخبر بعده، وأما ما تعلق أول البيت بأول ما بعده، فمستحسن جدا، لا سيما عند إفادة الكلام قوة وتأكيدا، ويزيد ذلك للكلام رونقا ويكسبه حلاوة وبهاء ومنه قول بعضهم ( وما وجد أعرابية ) إلخ الأبيات المتقدمة، وقال أيضًا ومن ذلك ما أتفق لي في قصيدة وهي:

أراها إذا أفنى نحيبي تألمي *** وأذهلني عني من الشوق أقياظ ((1) )

وصم صدى الأسماع عن هدى عذلي *** فأخفق عذال بذاك ووعاظ

(1) أقياظ جمع قيظ: أي الحر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت