فهرس الكتاب
هذا سيد من السادات الذين يزاولون الطرق الصوفية، المتصدرين لها كأشياخ مستقلين، إلا أن له حالًا غريبًا، فقد كنت أسمع من الجماء الغفير الانتقاد عليه انتقادًا مرًا، لا من الصوفية ولا من الفقهاء. وهاك ما حدثني به الفقيه سيدي علي بن الطاهر الرسموكي خاله، وقد رأيته لا يتحامل عليه، فيكون حديثه عنه مدعاة إلى أن يصفه كما هو.
قال: حدثني من يعرف حاله في مبتدأ أمره: أنه كان من المتصدرين بين رجالات قبيلته، وله سلاحه وفرسه، فبينما هو يومًا في جيش من أهله، وقد احتشدوا إلى بعض الحروب، إذا به قد طاف به طائف من التأله، بسبب رؤيا رآها، فاستنكف مما هو فيه، فذهب ببندقيته وفرسه إلى مجتمع الناس من قبيلته، فأنزل لهم سلاحه، ورمى إليهم لجام فرسه، وقال لهم: دونكم هذا، ثم وداعًا، فافعلوا بذلك ما شئتم، ثم لا تحسبوني بينكم منذ اليوم. فبادر ابن عم له، فتناول سلاحه وفرسه بسرعة قبل أن يذهب بهما الذاهبون، ثم صار يستدعي من كانوا رهنوا لأهله أملاكهم، فيرد إليهم رسومهم أو يبرئهم. فالتجأ بعض أهله إلى الفقيه سيدي محمد بن العربي الأدوزي، فشكاه إليه، فاستدعاه فقال له: إن لوالدي سيدي العربي نظرًا في صحة هذه الرهون التي ينكرها غيره، فتلا عليه من أبيات له في ذلك، فقال له: إنني لا أبالي بالأبيات التي تلفق بألسنة الطلبة، ولكن هل هذا في الكتاب والسنة؟ فقال له: لا. فقال له: { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ} ثم صار يتأفف مما في الدار من المتاع التي تكون من هذه الأموال التي لا يستحلها. ثم جاء الكلوليون سنة 1315 هـ فاحتوشوا ما في قريته، فذهب كل ما في دارهم من ذلك، ففرح غاية إذ رأى ما لا تطيب له به نفسه قد ابتعد منه، ثم صار يقول للناس: إنني أخذت عن سيدنا الخضر، ثم تصدر للدعاية لنفسه بالمشيخة، فيسيح في البلاد، ويلقن الأذكار. وكان حاله غريبًا في التقشف، فلا يلبس إلا قميص صوف غليظًا، ولا يبالي بلين الطعام، وكل تربيته