فهرس الكتاب
لأصحابه مجموع في التقشف في الملبس والمطعم، فتحصل لهم منامات تأتي صادقة، فتراهم في كل صباح يتساءلون عن المرائي. كما أن له حالًا قويًا في مجالس
الذكر، فكان, عند احتدام المجلس, كلما رمق أحد أصحابه يقفز إلى فوق من غير شعور منه، وحين لم يكن له علم لا علم الفقهاء ولا علم الصوفية، صار لا يذاكر أصحابه إلا في مخالفة النفس، والإنكار على كل الناس، فتصدر عنه كلمات تؤثر يستغربها كل من سمعها, كقوله: إن القرآن قد ارتفع، فلم يبق إلا صراخ أهل مكة. وكأن مقصوده أن روح القرآن, والاستعمال به معدوم، ولم يبق إلا ألفاظه. لكنه قال ذلك بهذه العبارة النابية التي تثير عليه الناس، خصوصًا الفقهاء, كسيدي محمد بن العربي الأدوزي الذي لا تأخذه في الله لومة لائم في مثله. فيقابلهم المترجم بالمعاداة التامة، وبأنه لا يصلح الإسلام حتى تقطع رءوس كل الفقهاء, وأولهم محمد بن العربي الأدوزي. ثم لما تمكن القائد محمد أنفلوس في ( تيزنيت) وما إليها، وقد كان ( بوشتي ) حيث داره في أرباض ( تيزنيت) أرسل إليه القائد، فجيء به، فحكى هو عما وقع له إذ ذاك لسيدي علي بن الطاهر الذي يحكي لنا. قال: إنني بمجرد ما وقفت أمام القائد غلب عليَّ الضحك غلبة شديدة، حتى أثر ذلك في القائد، فغلب الضحك عليه أيضًا، ثم سألني القائد عن سبب ضحكي. فقلت له: لا أخبرك حتى تحدثني أنت عن ضحكك أيضًا. فقال له القائد: بل أخبرني أنت أولًا. فقلت له: إنني ما ضحكت إلا لأنني وجدت الآن من يقطع جذور رعونة هذه النفس الأمارة بالسوء، فقد طالما تفرعنت عليَّ، واليوم لما أتيت بها للقتل وجدت لها ما تستحقه من القمع. فقال لي القائد: وأما أنا فضحكي من أجل ما أنت فيه من السرور وعدم المبالاة، مع ما تراه أمامك مما هو مهيأ لك بسبب ما قدم عنك من الشكايات. ثم قال: إنني كنت أسمع دائمًا بالصدق التام حتى رأيته منك الآن، حيث قمت مقامك هذا، ثم قلت الحق ولا تبالي. قال: ثم استدعى